خمس سنوات نجح فيها نظام الانقلاب العسكري بقيادة عبد الفتاح السيسي، في قتل الصناعات الصغيرة في مصر، بعد أن كان يقوم الاقتصاد الوطني على هذه الصناعات، مثل النجارة والحدادة والدهانات والأحذية وغيرها، من الصناعات التي قتلها نظام الانقلاب، بعد رفع مستوى الفقر، وتدني الأحوال المعيشية، وانخفاض الرواتب والأجور، في مقابل ارتفاع سعر الخامات المستخدمة في هذه الصناعات.

وقبل عامين حذرت “الحرية والعدالة” من موات المهن الإبداعية والصناعات الصغيرة، وقتل أي صورة من صور الإبداع المتمثلة في الصناعات اليدوية، التي كانت تعتمد عليها السياحة، مثل صناعة الصدف والخزف والنقش وفن الأركيت، بعد اتجاه أصحاب هذه المهن إلى “التوك توك”، نتيجة ارتفاع يومية سائق التوك توك إلى 120 جنيها و 150 جنيها في بعض الأحيان، في حين تنخفض يومية العامل إلى 75 جنيها بحد اكثر، خاصة في الورش، الأمر الذي أدى إلى هجرة هذه المهن، وعدم وجود أجيال جديدة، نظرا لاتجاه الأهالي تعليم أبنائهم سواقة التوك توك .

ومع ناقوس الخطر الذي دقته “الحرية والعدالة” منذ عامين، بعد ملاحظة ارتفاع نسب الورش الخالية في الأحياء الشعبية بمصر وخاصة في حي الدرب الأحمر وباب الشعرية، واتجاه أهل هذه الورش للتوك توك، بدأت صحف الانقلاب ومن بينها “الأهرام” تلتفت إلى هذه الظاهرة الخطيرة مؤخرا، ونقلت على لسان أحد العاملين بالورش الصغيرة ويدعى عم صبري قوله: «الصنايعى اللى بيموت.. مفيش حد بيطلع بعده».

وقال صاحب إحدى ورش تشكيل المعادن. أصابع الاتهام تشير الى «التوك توك» الذي اغتال «الصنعة» و«الحرفة» بمختلف أنواعها. خطف “الأيدي الشغالة” سواء في حرف يدوية تراثية من نحت الخشب ونقش المعادن وصناعة السجاد والمنسوجات والفخار والأرابيسك والمجوهرات وغيرها من قائمة لا تنتهي، أو حتى المهن الحرفية كالنجارة وميكانيكا السيارات والسمكرة والسباكة وغيرها من الأعمال التى لا يمكن الاستغناء عنها فى الحياة اليومية.

وأضافت أن التوك توك يهدد باندثار حرف تراثية تشكل جزءا لا يستهان به من الهوية المصرية التى كانت محور إحدى جلسات مؤتمر الشباب الأخير، موضحا أن المشكلة أنه لا تبدو فى الأفق أى بوادر تشير لوجود نية جادة من قبل أجهزة الدولة المعنية لوضع حد لتزايد أعداده، أو لتنظيم عمله والأماكن التى يجب الالتزام بها كخطوط للسير، كما لا توجد متابعة للقرارات التى تصدرها محافظة أو حى كمنع سيره فى أماكن معينة، بل إنه لا يتم حتى رصد التكاتك غير المرخصة والتعامل معها. وكانت النتيجة ان تسلل التوك توك من الريف إلى المدينة مع بداية الألفية الثالثة، وبعد أن كان يسير على استحياء فى شوارع المناطق العشوائية الضيقة، تجرأ الآن على الشوارع الرئيسية والكبارى والطرق السريعة.

وأجاب أحد السائقين إن كان من بين زملائه من هم فى الأصل «صنايعية» وتركوا حرفتهم، فارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة وهو يقول :«90 % من اللى شغالين هنا كانوا صنايعية»! وأخذ يشير إليهم واحدا تلو الآخر.

وأشار “أيمن كان أحدهم إذ كان يعمل «حداد ديكور». لم يلتحق بأى مدارس، وتعلم الحرفة أبا عن جد.وأجاب على سر ترك حرفته رغم أن سوق المعمار والعقارات هو الاكثر انتعاشا، فكان رده بأن دخله لم يعد مجزيا، بعد أن أصبح مسؤولا عن أسرته عقب وفاة والده، فاضطر للبحث عن عمل أكثر دخلا ليتمكن من الوفاء باحتياجات أسرته، ولم يكن هناك سوى الـ«توك توك». لو كان أيمن يحصل على 100 جنيه يوميا من صنعته بشكل مستديم، لاستمر بها، فهو لا يعرف غيرها منذ طفولته.

ونقلت الصحيفة عن سعيد- نجار موبيليا- اضطر هو الآخر لترك صنعته بعد أن قل دخل الورشة، واقتصر العمل على مواسم معينة كالأعياد حيث تزيد مناسبات الزواج، فيما عدا ذلك «الدنيا نايمة».

وأضاف أن هذا الوضع لم يعد محتملا فى ظل غلاء الاسعار وظروف المعيشة الصعبة. مع ذلك لم يتخل سعيد عن حرفته تماما، فأحيانا يطلبونه للعمل فى إنجاز «طلبية» ما، فهى حرفته التى يعتز بها، ويراها أفضل من العمل على التوك توك

حسن أيضا ترك حرفته فى خياطة الستائر، فلم تعد مربحة بالقدر الذى يعينه على توفير نفقاته الشخصية، فضلا عن معاملة «الأسطى» السيئة، يقول حسن: «كنت باخد 100 جنيه، بس الأسطى كان بيطلع عينى بيهم، ويحملنى فوق طاقتي، أما الآن فأنا ملك نفسي». يشترك محمد فى الحديث مكوجى سابقا – وقد وافقه على تلك النقطة، الأمر الذى دفعه لترك مهنته، خصوصا أنها تقتصر على فصل الصيف، وتتراجع تماما فى الشتاء، ليعمل بعدها «صنايعى بوفيه» فى الكافيهات، لكنه هرب من سوء معاملة الزبائن، وفى النهاية كان «التوك توك» هو الملاذ!.

ورصدت الصحيفة خلال بجولة بشارع الداودية بباب الخلق، وجد محلات كثيرة مغلقة فلما سأل عنها، علم انها كانت ورش «أويمة» – فن النحت على الخشب – لكن أصحابها اضطروا لإغلاقها.

أحمد “أويمجي” يدير ورشة والده الحاج فاروق، ويعمل بها، ويساعده صنايعى واحد، وعندما تكون هناك «انطلاقة» بتعبيره – ، وتكون غالبا على مشارف الأعياد؛ يجلب اثنين من الصنايعية لمساعدته عندما زرنا الورشة منذ أربع سنوات كان يعمل بها خمسة «صبيان»!

أحمد قال إن التوك توك خطف الكثير من الصنايعية، ولم يستطع هو منع أحدهم من ترك العمل لديه، فالكل يبحث عن «لقمة عيشه»، خاصة أن دخل الورشة تراجع بسبب عزوف الناس عن الموبيليا «العمولة» وميلهم للجاهز، خاصة أنه أرخص، أما شغل الاويمة ف«مصنعيته» كبيرة، وبالتالى لا يستطيع أن يشغل لديه سوى اثنين على الأكثر، فمن أى يأتى لهم باليوميات التى تصل إلى 70 جنيها للأسطى، كما أن العمل غير مستديم فى الورشة.

أحمد أشار أيضا إلى أن الجيل الجديد لا يريد أن يتعلم حرفة، فهى صعبة وتحتاج للصبر والدقة،والكل الآن يبحث عن الأسهل والأكثر مالا. وتساءل: ماهو دور نقابة الحرفيين؟، ومالذى تقدمه الدولة للصنايعي؟ هناك من يفقدون أصابعهم ويصابون بعاهات بسبب عملهم، فمن يعوضهم فى حالة عجزهم عن الاستمرار فى العمل؟! وماذا لو وصل الى سن المعاش؟! هناك كثيرون يضطرون للعمل بعد هذه السن لأنهم مضطرون. أسئلة ينتظر إجاباتها الكثير من الحرفيين.

وقال د. حمدى عرفة – خبير الإدارة المحلية – بالاعتماد على عدد من البيانات الرسمية الصادرة فى سنوات متتالية، فإن هناك مليونين و800 ألف توك توك فى مصر، 117 ألفا فقط مرخصة.

رابط دائم