بينما ينزعج العالم لاعتقال قس جاسوس؛ هناك إقليم صينى مسلم -يعادل دولة- يُحاصر بكامله، وقد تحول إلى سجن كبير على أيدى السلطات الصفراء الملحدة؛ حيث ينكلون بأبنائه بأساليب لم تحدث فى القرون المظلمة، وسط تواطؤ عربى وإسلامى كبير.
لقد انزعجت مؤسسات دولية -غير مسلمة- لما يقع على مسلمى هذا الإقليم وأطلقت النداءات لإغاثة أبنائه «الإيجور»، فى حين التزمت (مؤسساتنا الإسلامية!) الصمت.

تتحدث الأخبار الواردة من هناك أن ما يقرب من مليون مسلم -من بين 10 ملايين يقطنون إقليم شينجيانج- تم وضعهم فى معسكرات اعتقال جماعية منذ عام 2013؛ بهدف إرغامهم على التخلى عن الإسلام، وفى هذه المعسكرات التى وصفها أحد تقارير هيئة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة (أغسطس 2018) بأنها عملية (تطهير عرقى شامل) -يتم ممارسة شتى وسائل الانتهاك ضد المعتقلين؛ إذ فضلاً عن عمليات التعذيب التى اشتهرت بها السلطات الشيوعية فإن المعتقلين يُرغمون على: أكل لحم الخنزير، شرب الخمر، ترديد أغانى الحزب الشيوعى، حضور ندوات لانتزاع الدين..

وإذا كانت تلك الوسائل الإجرامية تتم على المسجونين؛ فإن مسلمى الإقليم جميعًا يخضعون لإجراءات مشابهة حتى تحول إقليمهم إلى سجن كبير كما ذكرت؛ فهناك خطط حكومية يتم تنفيذها على قدم وساق لتغيير هوية الإقليم، ولقطع الصلة بينه وبين الدول الإسلامية المجاورة فى منطقة شمال غرب الصين، هذه الخطط يتم تنفيذها منذ استيلاء الصين على الإقليم عام 1949، وقد زادت وتيرتها بحدة فى السنوات العشر الأخيرة؛ فمنذ عقود وهناك إصرار على التغيير الديموجرافى للسكان، والذى يواجه مقاومة شديدة من المسلمين، سكانه الأصليين، خصوصًا الطلاب وبالفعل نجحت الصين بشكل كبير فى هذا الجانب؛ فقد استلمت الإقليم والمسلمون يشكلون 97% من أبنائه، واليوم لا تتعدى نسبتهم 45% إجمالاً ولا تزيد فى مدن الإقليم الرئيسية على 10%.

لقد استغلت الصين ضعف الصوت الإسلامى فى المحافل الدولية، واستغلت تمثيلية الحرب على الإرهاب (الإسلام)، واشترت سكوت حكام العرب العلمانيين بما لديها من نفوذ مادى وسياسى، وواصلت خططها ضد المسلمين الذين صاروا كالأيتام على موائد اللئام؛ فهى منذ زمن تدفع بالملايين من عرقية (الهان) لسكنى الإقليم لتفريغه من المسلمين، وفى فترة لاحقة أرسلت العاطلين والمسجونين السابقين إلى هناك ليمثلوا خطرًا على سكانه فيهجرونه قسرًا، والآن تهدم المساجد بحجة عدم وجود مرتادين لها، وتقوم بسجن العلماء وإذلالهم، وتصادر جوازات سفر المواطنين لمنع مغادرتهم الإقليم تلافيًا للتشنيع على أفعالها بالخارج، فضلاً عن مصادرة الأملاك، والقبض على الأثرياء والزج بهم فى السجون بتهم ملفقة.

وهناك مآس وقصص لا يصدقها عقل، يرويها من أفلتوا من هذا الجحيم؛ فالسلطات تراقب الشوارع والمنازل والمساجد على مدار اليوم، وصارت ترغم المسلمين على التخلى عن لباسهم، وحلق لحاهم، ونزع الحجاب، وبعدما أطلقت حملة بادعاء أن (الإسلام مرض عقلى) قامت لذلك بوضع خطة قومىة عُرفت بـ (القرابة التوأمية) أرغمت فيها الأسر المسلمة على استضافة أسر أخرى ملحدة ومعايشتهم؛ بهدف التخلص من الثقافة والسلوكيات الإسلامية، كما ترغم المسلمات على الزواج من غير المسلمين، وقد وضعت برامج للأطفال فصلوا خلالها عن آبائهم؛ للتنفير من الإسلام، وقد أكدت تقارير أن تلك البرامج أسفرت عن تفكك كبير للأسر المسلمة، وتحول الأطفال -فيما بعد- إلى جواسيس للسلطات على أهليهم.

وإذا كان البعض يفسر سبب هذا العداء الصينى بأنه طمع فى ثروات الإقليم الضخمة من البترول والمعادن النادرة والأراضى الخصبة – فإن تفاصيل ما يقع على المسلمين والمحاولات المستميتة لإرغامهم على النزوح تؤكد أن العداء للإسلام هو الدافع الأول والأخير لهذه الإجراءات الإجرامية غير المسبوقة. وإذا كانت الصين الملحدة تفعل هذا ولا تراه عيبًا أو جريمة، فما الذى يرغم حكامنا الأشاوس ومؤسساتنا العديدة على السكوت، وما الذى يدفع بلد فى حجم مصر لتسليم عدد من الطلاب المسلمين إلى السلطات الصينية (يوليو 2017)؟
أكتب هذا المقال وفى يقينى أن ذلك لن يغير من القاعدين ممن ذكرتهم شيئًا، لكنه الواجب الذى افترضه الله علينا (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) [الأعراف: 164].

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم