حمّل تقرير أعده موقع “ميدل إيست آي” (Middle East Eye) البريطاني القضاء في مصر مسئولية مئات أحكام الإعدامات.

وقال عمرو مجدي، الباحث في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، في تقريره الذي نشره الموقع تحت عنوان: “لماذا زادت الإعدامات في مصر بشدة ولماذا يجب أن تتوقف؟”: إن “النظام القضائي المصري ليس ظالما في أغلب الأحيان فحسب، لكنه “معطوب” إلى درجة أنه في إحدى القضايا تبيّن أن توقيع قاض على عقوبة إعدام كان مزوّرا”، مضيفا أن “العيوب في المحاكمات منهجية؛ حيث حكم قاضٍ على أكثر من 500 شخص بالإعدام في قضية واحدة، وحكم آخر على طفل عمره 4 سنوات بالسجن المؤبد، فيما وُصف لاحقا بـ”الخطأ”.

وحذر التقرير من أن هناك مخاوف شديدة ومشروعة من أنه، وبعد عدة سنوات من تقويض ضمانات الإجراءات القانونية، وتآكل استقلال القضاء، الباب أصبح مشرعا على مصراعيه أمام فيضان الإعدامات التي تُنفذ بعد محاكمات جائرة إلى حد كبير”.

تعميق الظلم

كما حذر لاحقا من أن الإعدامات لا سيما في حالات العنف السياسي المزعوم، لن تؤدي إلا إلى تعميق الشعور بالظلم، وبخاصة في ظل غياب أي رؤية أو بشائر في الأفق لأي عدالة انتقالية.

وربط بين تلك الإعدامات وعمليات القتل الذي مارسه النظام منذ 2011، وقال: “علينا ألا ننسى أيضا أن موجة الإعدامات هذه تحدث في بلد قتلت قواته الأمنية مئات المتظاهرين السلميين منذ 2011 بحصانة شبه مطلقة من العقاب، كما اتُهمت أيضا بحوادث إعدام المحتجزين خارج نطاق القضاء.

واعتبر التقرير أن المطلوب أوروبيا الانتقاد المستمر والعلني، حتى من حلفاء مصر، لرغبة الحكومة الواضحة في تنفيذ المزيد من أحكام الإعدام ضد ضحايا عملية قضائية معطوبة ومعيبة.

إذعان قضاة

وفي رده على تساؤل عما خلف فورة الإعدامات في مصر؟ والطريق لفهم الأسباب التي أدت إلى الارتفاع الحاد في الإعدامات في مصر أساسي إن أردنا إيقافها. لفت إلى تشكيل محاكمات استثنائية في اعقاب الإنقلاب على الرئيس مرسي في 2013، ومحاكمة الآلاف من قادة جماعة “الإخوان المسلمين” وأعضائها والمتعاطفين معها، في محاكمات جماعية غالبا، بسبب عنف سياسي مزعوم.

وأضاف أن البلاد أثناء حالة الاضطراب السياسي الحاد، ولم يكن الحكام العسكريون قد أحكموا سيطرتهم بعد على كل مؤسسات الدولة المستقلة تقليديا. شمل ذلك القضاء وقتها، تنحى العديد من قضاة المحاكم الجنائية عن النظر في مثل تلك المحاكمات الجماعية.

وردا على ذلك، وفي أواخر 2013، أنشأت الحكومة “محاكم إرهاب” خاصة ضمن نظام المحاكم الجنائية، وعيّنت قضاة مستعدين للإشراف على قضايا العنف السياسي المزعوم.

كان ذلك هجوما كبيرا على استقلال القضاء، ومناورة لتحويله إلى أداة أخرى للقمع. أصدرت محاكم الإرهاب هذه، لا سيما عدد محدود من القضاة، مئات الأحكام بالإعدام.

تطويع “النقض”

وفسّر الباحث الحقوقي إذعان محكمة النقض لأحكام السيسي في مجموعة من النقاط فأشار مبدئيا إلى أن محكمة النقض، أرفع محاكم الاستئناف في مصر، واصلت عملها كمحطة تدقيق قوية نسبيا ضد تلك الإدانات المعيبة، ملغيةً الكثير من أحكام الإعدام بين 2014 و2016، لافتا إلى أن محكمة النقض باحترام كبير، لذا لم يكن من السهل على الحكومة تقويض استقلالها، على الأقل إلى حين اغتيال النائب العام السابق هشام بركات في يونيو 2015.

واعتبر تصريح السيسي في جنازة النائب العام تهديد للقضاة، حيث قال: إن “يد العدالة الناجزة مغلولة بالقوانين… ولكننا لن ننتظر على ذلك”. تعهد ساعتها بتعديل قوانين البلاد، منتقدا بشدة القضاة من حوله لإبطاء تنفيذ رؤيته الخاصة “للعدالة”.

وأكد أن السيسي نفذ وعده، وأنه في أبريل 2017، وافق السيسي على تعديلات قانون الإجراءات الجنائية المصري وقانون الطعن أمام محكمة النقض من أجل الالتفاف على المحكمة. وصفت “منظمة العفو الدولية” التعديلات بأنها “مسمار آخر في نعش معايير المحاكمة العادلة”. وفي اليوم نفسه، وافق السيسي على تعديل آخر يُحكم فيه قبضته على تعيين رئيس محكمة النقض.

وكشف أنه منذ ذاك الحين؛ تراجع دور المحكمة في إلغاء أحكام الإعدام المعيبة بشكل كبير، لتؤيد العشرات منها.

وأضاف التقرير لذلك توسيع السيسي بقانون في أكتوبر 2014 بشكل غير مسبوق اختصاص المحاكم العسكرية في مقاضاة المدنيين.

ومن وقتها، أُحيل أكثر من 15 ألف مدني إلى المحاكم العسكرية، ما أدى إلى عشرات أحكام الإعدام الإضافية من قبل المحاكم الجائرة بطبيعتها.

تبريرات متهافتة

وأشار التقرير أن تصريحات السيسي كاذبة يتضح ذلك بالاستماع إلى محاضرات السيسي الخالية من الحقائق حول القيم الحقوقية في مصر؛ حيث إنه يدعم التزايد المريع في أحكام الإعدام في 2019. مشيرا إلى تصريحات السيسي أمام الأوروبيين، خلال القمة العربية-الأوروبية في شرم الشيخ، قائلا إن الإعدامات جزء من “إنسانيتنا” المختلفة عن “إنسانيتكم [الأوروبية]”.

وأشار إلى أن السيسي استهدف التغطية على أزمة غير مسبوقة في تاريخ مصر الحديث. ففي خلال حكمه، ارتفع استخدام مصر لعقوبة الإعدام بشدة إذ صدرت آلاف أحكام الإعدام منذ 2013.

وأوضح أن الزيادة التي اتبعها السيسي خروج عن ممارسات سابقة بتخفيف أو تعليق بعض أحكام الإعدام، والتي اتُبعت حتى أثناء الـ 30 عاما من حكم حسني مبارك الاستبدادي. حتى قتلة الرئيس السابق أنور السادات لم يُعدَموا.

يستتبع هذا الارتفاع الحاد التمعّن المتمّهل، لكن حكومة السيسي عملت على سحق أي حوار مفتوح حول عقوبة الإعدام، بينما عملت في ذات الوقت على إخراس المنظمات التي تسلط الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان.

تضليل بلا هوادة

ونبه التقرير إلى أنه منذ وصول السيسي إلى سدة الرئاسة في 2014، حلت مصر بين أعلى 10 دول من حيث عدد الإعدامات السنوية، وانضمت إلى دول أخرى سيئة السمعة في تنفيذ الإعدام، مثل الصين وإيران والسعودية.

ومنذ 2014، أصدرت المحاكم الجنائية والعسكرية أكثر من 2,500 حكم إعدام أولي، منها المئات في قضايا عنف سياسي مزعوم، وهي المحاكمات التي عادة ما تشوبها انتهاكات شديدة للإجراءات القانونية الواجبة.

وجدت مجموعة حقوقية دولية أنه، وبالمقارنة مع الممارسات السابقة، أصدرت المحاكم الجنائية المصرية 530 حكما بالإعدام بين 1991 و2000، والتي كانت أيضا فترة عانت فيها مصر من العنف السياسي.

وأشار إلى أن هناك نحو 50 شخصا عرضة لتنفيذ الإعدام بحقهم في أي لحظة بعد تأكيد محاكم الاستئناف العسكرية أو المدنية أحكام إعدامهم، مشيدا بحملات ترفض عقوبة الإعدام لسنوات، تضم شخصيات منهم: المحامي ناصر أمين، وعالمة الأنثروبولوجيا ريم سعد، والمؤرخ خالد فهمي.

رابط دائم