مصر دولة متخلفة في كل المجالات، ولم تبرع في أي مجال قط منذ عقود طويلة، سوى في صبر شعبها على ظلم واستبداد حكامها وفسادهم الذي فاق كل حد، ورغم أن مصر تقبع في ذيل الأمم في كل القطاعات والمجالات إلا أن الشعب حزن بشدة عندما خسر المنتخب الوطني مباراة روسيا الثلاثاء الماضي بثلاثة أهداف لهدف وبات أول منتخب يخرج من البطولة إكلنيكيا حتى تأكد الخروج بهزيمة السعودية من أورجواي.

وفي مقاله «أخطاء صغيرة تكفي لهزائم كبيرة»، المنشور اليوم على “الجزيرة مباشر” يقول الكاتب والمحلل السياسي جمال الجمل: «كنا ندلل الهزيمة فنسميها “نكسة”، وكنا نغفر للمهزومين أخطاءهم فنسامح من غير أن نحاسب، ونمارس المواساة الجماعية بأساليب تحايل غريزية وثقافية؛ صارت مع الوقت أقوى مخدر جماعي عرفته البشرية، نسميه أحياناً “التفكير الإيجابي في الجانب المضيء من المشهد”، ونسميه أحياناً أخرى “التمثيل المشرف”».

وينتقد الكاتب عدم الطموح للفوز والمقارنة دائما بما هو أدنى، مضيفا «المقارنة عندنا للأسفل دائما، وكل مصيبة تحدث لنا فهي خير لأنها أهون من مصيبة أفدح نتوقعها ونحمد الله أنها لم تصبنا. وكما نقول في أمثالنا الشعبية: “اللي يشوف بلوة غيره تهون عليه بلوته”، لذلك فإننا لا نهتم برؤية منجزات الناجحين، ونستعيض عن ذلك بمقارنات مع المصابين المحطمين لنشكر الله على هزائمنا اللطيفة (أحسن ما نبقى زي سوريا وليبيا والعراق)!.

الجانب المضيء

لكن الكاتب والمحلل السياسي مجدي الجلاد، يختلف في الرؤية عن الجمل ويحلل أسباب الخسارة في كأس العالم من زاوية أخرى، وفي مقاله بعنوان «لماذا خسرنا في كأس العالم..؟!»، والمنشور على موقع “مصراوي” أمس الأربعاء، يطالب الجمهور بالتفاؤل والنظر إلى المشهد بتحليل عقلي بعيدا عن العواطف، مؤكدا أن مستوى المنتخب هو واقعنا دون تجميل أو رتوش، متسائلا: «ماذا كنت تنتظر من منتخب مصر أكثر من التمثيل الضعيف في أقوى بطولة كروية في العالم؟!.. أكنت تحلم بالانتصارات والوصول للدور الثاني.. أو على الأقل ألا نكون أول منتخب يخرج من البطولة؟!.. ليه وبأمارة إيه.. وعلى حساب مين..؟!»!.

ورغم إشادته بوصول المنتخب إلى العالمية باعتباره ضمن أقوى 32 منتخبا في العالم، لكنه ينتقد أمنيات البعض التفوق بالشعارات والأمنيات و”تي شيرتات” الفنانين والإعلاميين ونواب البرلمان في فندق ومدرجات كأس العالم.

موقعنا في ذيل الأمم!

يقول الجلاد: «نحن في ذيل القائمة بين الأمم في كل التصنيفات.. فلماذا ننتظر من لاعبين واتحاد كرة وجهاز فني أن ينتصروا في البطولة، مع أنهم نتاج مجتمعنا المتخلف في كل شيء.. علماً وتعليماً وابتكاراً وإنتاجاً وتحضراً وأخلاقاً..؟ لقد حمل المنتخب على ذات الطائرة “بنفسجية اللون” عقولنا الخاملة، وجهلنا وتكاسلنا وسلبيتنا وسوء الإدارة لكل شيء وأي شيء.. بل إن طائرتهم وحقائبهم حملت مشاكلنا وأزماتنا وفسادنا وتراجعنا الدائم.. ألم تسأل نفسك: هل تحتل مصر موقعاً متقدماً عن موقعها في كرة القدم في أي تصنيف أو مؤشر عالمي..؟! أجب أنت.. ولا تغضب.!

ويضيف الجلاد «لا تغضب من منتخب بلدك لأننا نحتل المركز 129 في جودة التعليم من بين 137 دولة وفقاً لمؤشر التنافسية العالمية الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2017/2018.. ليس هذا فقط، بل إننا في المركز 130 في جودة تعليم الرياضيات والعلوم، و124 في جودة إدارة المدارس، والمركز 100 في التعليم الجامعي والتدريب.. فلماذا نهاجم منتخبنا وهو يلعب بين أقوى 32 منتخباً في العالم؟!.. ثم إنه يا أخي اسمه “منتخب”.. لا يتشكل من انتخاب واختيار لاعبين فحسب.. وإنما هو “تمثيل” لمجتمع وأمة وابن شرعي لدولة كاملة..!

ويتابع الكاتب «يكفي أن نعرف أن التقرير الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2017 صنف مصر ضمن مجموعة الدول النامية والتي تضم 79 دولة، وجاءت في المركز 73 ضمن المجموعة.. كما حلت ضمن مجموعة الشريحة الدنيا من الدول متوسطة الدخل، وعددها 37 دولة.. وبصرف النظر عن دهشتي الدائمة من دولة مصنفة “نامية” منذ أكثر من نصف قرن، ولا تنمو وكأن النمو جاء عندنا و”مااشتغلش”، فإننا في كرة القدم يأتي ترتيبنا في أغلب الفترات ضمن أقوى 40 دولة في العالم..!

ويستطرد الجلاد «يمكنك أن تقيس على ذلك ترتيبنا وتصنيفنا في كافة المؤشرات ومجالات الحياة.. في الشفافية وتراجع الفساد نحتل المركز 117.. في البحث العلمي والتطوير مركزنا 52 والابتكار 105.. وحقوق الإنسان 112 والرعاية الصحية 97.. إذن فنحن لا ننافس أحداً في أي مجال.. فكيف ننافس أباطرة كرة القدم في الكرة؟!.. وتخيل معي كيف سيكون حال مصر إن هي تقدمت في التعليم وأصبحت ضمن أفضل 32 دولة في العالم.. وكيف سيكون حالنا إن كسبنا دول أوروبا في العلم والتعليم والصحة والإدارة والأخلاق والضمير؟!!

ويختم الكاتب مقاله الرائع بقوله «كرة القدم- يا سادة- علم، والاحتراف إدارة.. ونحن ليس لنا في العلم ولا في الإدارة.. وإن أردنا المنافسة في الكرة، فلابد أن ننافس أولاً في الإبداع والعلوم والثقافة والإنتاج والشفافية وحقوق الإنسان.. ودون ذلك سنفرح كل 20 أو 30 سنة بصعودنا لكأس العالم.. ثم نحزن لخروجنا المبكر من كأس العالم..! نصيحة مخلصة: افرح بمنتخبك لأنه في روسيا، ولأنه أفضل ما فينا.. فليس بالإمكان أبدع مما كان.. ثم إنك يا أخي لا تصل لـ”العالمية” إلا في كرة القدم.. نعمة واللي يكرهها يعمى..!».

رابط دائم