قال محمد كمال العقدة، الخبير المتخصص بالشأن الأمريكي، إن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط شهدت كثيرا من التغيرات والتحولات الجذرية في عهد الرئيس الجمهوري دونالد ترامب بعكس ما كانت عليه في عهد الديمقراطي باراك أوباما، مضيفا أن هذه التحولات تتأرجح بين الرغبة في الانسحاب من الشرق الأوسط والسعي نحو مزيد من التدخل بالمنطقة؛ عازيا ذلك إلى اختلاف الأولويات بين الإدارتين متوقعا أن تفضي هذه السياسات إلى حال من صراع الحلفاء بالشرق الأوسط.

وأضاف العقدة في الندوة التي عقدها مركز «جسور للدراسات» باسطنبول مؤخرا تحت عنوان “السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط في عهد ترامب .. إلى أين؟” أن هذه التحولات لا تتعلق بمنطقة الشرق الأوسط فقط، لكنها تمتد لتشمل مجمل السياسات الأمريكية مع دول العالم مستشهدا على ذلك بالحرب الاقتصادية مع الصين، والحرب الكلامية مع أعضاء حلف الناتو .. الحلفاء الأساسيين لأمريكا ونرى كذلك الحرب الاقتصادية مع كندا ، والتي وصفها الرئيس ترامب بأنها تهدد الأمن القومي لبلاده مع أقرب حلفائها كندا؛ فكيف ينظر ترامب للمنطقة العربية وانعكاسها على الأمن القومي الأمريكي؟ّ!.

وبحسب العقدة تبدو منطلقات السياسة الأمريكية ماضية وفق شعار “أمريكا أولا وكل شيء آخر ثالثا ورابعا وليس حتى ثانيا”، فترامب يزن الأمور بميزان صفري من منطلق الربح والخسارة، وفي ظل تفكك الاتحاد الأوروبي يرى خبراء ومحللون أروبيون أن خطوات ترامب لم يعد أحد يعلم بها وماذا سيقول وماذا سيتضمن اجتماعه مع الرئيس الروسي بوتين وانعكاسات ذلك على مستقبل حلف الناتو .
العمدة أوضح أن ملامح سياسة أوباما كانت تقوم على التراجع السياسي والعسكري في منطاق مختلفة من العالم وترك الحلفاء لحراسة هذه المناطق مع ضمان المصالح الأمريكية مثل الإمارات و”إسرائيل” في الشرق الأوسط، لكن هذه السياسات أفضت إلى إضعاف قبضة واشنطن حتى تردد أن الضربة العسكرية الإماراتية على ليبيا سمعت به الإدارة الأمريكية من وسائل الإعلام!

ويشير العقدة إلى أن النظم العربية ظنت أن أوباما مؤيد للإسلام السياسي أو داعم لإسقاط الحكومات التي أطاح بها الربيع العربي، وهو ما ولد قلقا لدى حكام المنطقة من استمرار سياسات أوباما والإدارة الديمقراطية وهو ما دفع هذه النظم إلى دعم ترامب والجمهورية لأسباب عديدة منها أن ترامب لا يبالي بحقوق الإنسان العربي ولا يكثرث بالثورات العربية وتوجهاته تتباين بشدة مع معظم الإدارات الأمريكية السابقة.

ملف إيران والنفط

وبالنسبة للملفات الخارجية بالشرق الاوسط اليوم في عهد ترامب، يرى العقدة أن الملف الإيراني يأتي على رأس أولويات السياسة الخارجية الأمريكية التي تستهدف تقليص النفوذ الإيراني في المنطقة.

ويشير العقدة إلى أن ترامب أوكل الملف الإيراني لكل من “إسرائيل والإمارات”، الأمر الذي يقلق أنقرة التي أشيع أنها إحدى أهم الدول المؤثرة لكسر الحصار عن طهران في السابق. متوقعا ألا يكون لأنقرة دورا كبيرا في كسر الحصار المقبل على طهران ويعزو ذلك إلى تشابك المصالح الأمريكية التركية حاليا خصوصا في سوريا.

وأضاف أن أي ضربة عسكرية ستوجه لايران سيكون مصدرها إسرائيل مع دعم عربي إماراتي سعودي وذلك من أجل الحفاظ على المصالح الأمريكية في الخليج وتدفق النفط.

وفي سياق الحرب على “الإرهاب”، يؤكد العقدة أن هدف واشنطن هو القضاء على داعش، لافتا إلى أن الحرب على الإرهاب تتعلق بأمور نفسية أمريكية في المقام الأول، وأن الإدارة الأمريكية تعتمد على القوة الغاشمة في هذا الشأن مع منع التفاوض لأن تكلفة ذلك على أي إدارة تكون عالية جدا، موضحا أن واشنطن في عهد ترامب تدخلت ضد داعش ووجهت ضربات جوية لكنها تراجعت وتريد تسليمها للروس بناء على نظرية الاعتماد على الوكلاء وأن إدارة ترامب لا تمانع مطلقا في بسط النفوذ الروسي بشرط أن يكون على حساب التواجد والنفوذ الإيراني. كما لا تمانع من دور تركي بشرط تقليص النفوذ الإيراني.

وقال العقدة: إن السياسة الامريكية في العراق وعلاقة ذلك بالحرب على الارهاب تجدونها مرتبطة بشكل أساسي بمسيرة أسعار النفط العالمية، مؤكدا أن هناك سوء فهم بأن امريكا تهتم بالنفط العربي، لكن النفط العربي يذهب في معظمه الى الصين واوربا وبعضه للهند ؛ بينما تعتمد امريكا على بترول فنزويلا الأقرب لها موضحا أن أمريكا حريصة فقط على استمرار تدفق النفط والحفاظ على سعره العالممي من الارتفاع.

ويشرح ذلك أن ثمة حاجزا نفسيا لسعر جالون الوقود لدى المواطن الامريكي وخلال 20 سنة تغير سعره من 90 سنت الى 8 دولار والمتوسط المقبول هو 5 دولار للجالون، وزيادة السعر يصيب المواطن الأمريكي بالقلق؛ وهم يقودون سيارات مسافات طويلة ويستهلكون وقودا كثيراً وغالبا ما يكون سعر الوقود مقياس لرضا المواطن الأمريكي عن ادارته من عكسه ما يجعلهم يهتمون بمناطق استخراج النفط.

أزمة المؤسسات الأمريكية

وأوضح الخبير المتخصص في الشأن الأمريكي، أنه مع تولي إدارة ترامب قيادة البلاد، شهدت الخارجية الأمريكية هجرة شبه جماعية لاغلب العقول التي كانت تهندس السياسة الخارجية الامريكية في أرجاء العالم بعضهم بالإقالة والآخر بالاستقالة، ونفس الشيء في جهاز المخابرات الأمريكي “CIA” التي تهتم بالشان العالمي ..كما لم يتم تعيين كثير من السفراء في العالم ما أضعف علاقة أمريكا بحلفائها وأصدقائها وعملائها.

وللتدليل على ذلك، يؤكد العقدة أنه التقى قيادة سنية عراقية لها علاقة بالخارجية الأمريكية منذ 30 عاما فأبلغه أنه عندما يتصل الآن بمكتب العراق في الخارجية الأمريكية لا يجد شخصاً يعرفه ، ولا يعرف طبيعة التعامل معه.. وقس على هذا الكثير والكثير وبذلك فقدت أمريكا الكثير من نقاط ارتكازها وميراث الخارجية الأمريكية في تلك المناطق.

ويشير إلى أن ترامب يرى أن هؤلاء المسئولين الأمريكيين عن تلك الملفات قد تأثروا بثقافات تلك المناطق في الصين والعالم العربي وغيرها وأن ولاءهم لأمريكا قد ضعُف،ولذا أخذ منحى مخالف لما استقرت عليه كافة الإدارات الأمريكية السابقة في ملفات مثل العراق وسوريا والإرهاب والشرق الأوسط والقضية الفلسطينية التي ظلت الإدارة الأمريكية طوال تاريخها تروج لحل الدولتين؛إلا أن ترامب جاء ليُنهي هذا الحل ويبقى فلسطين دولة واحدة ولكن دولة يهودية!! وللأسف فان ترامب ينفذ كل وعوده التي اطلقها في الحملة الإنتخابية حتى يحصل على تصفيق من مؤيديه.

صفقة القرن

وحول ملف ما يُسمى بصفقة القرن، يقول العقدة إنه لا يرى لها ملامح رسمية كبيرة في الوثائق الرسمية الأمريكية وإن كانت توجد في تصريحات ترامب، ولكن هناك شواهد كثيرة لما يحدث في سيناء من تهجير لابنائها وتفريغ لها ، وفي غزة من حصار خانق ، وتسليم جزيرتي تيران وصنافير ، إضافة إلى العلاقة القوية بين نتنياهو وترامب وكوشنر ، وهي علاقة عائلية قديمة، تؤكد ان ترامب ينفذ ما يمليه عليه نتنياهو وآخرها وأخطرها نقل السفارة الأمريكية إلى القدس.

وأشار الى ان تعاطي ترامب في قضية نقل السفارة الامريكية للقدس والانسحاب المؤقت من منطقة الشرق الأوسط او غيرها ومن المنظمات الدولية تفسيرها ان شخص ترامب يفكر بمنطق الربح والخسارة وما سيعود على أمريكا في اللحظة الحالية ولا ينظر إلى المستقبل، مشيرا إلى أن المحللين النفسيين يقولون إن ترامب أشبه بطفل يريد دائما الحصول على تشجيع وتصفيق من حوله.

وينتهي المحلل السياسي إلى أن ترامب تعنيه اللقطة والشو الإعلامي لإلهاب مشاعر ناخبيه مستشهدا على ذلك بمواقف ترامب مع رئيس كوريا الشمالية والصين والتي دخل معه حرب تجارية قد تفضي إلى كساد عالمي كبير وتراجع في أسعار النفط العالمية. كما أن الزعماء الأوربيين والأسيويين باتوا يتوقعون من ترامب دائما مواقف وتصريحات عدائية ما يضع السياسة الأمريكية على المحك مع كثير من الحلفاء والخصوم.

رابط دائم