عادة ما تحدثنا أيام العطلات بالكثير من الأمور التي لم نكن لننتبه إليها من قبل؛ لولا تلك السعة من الوقت والجهد التي مرت علينا لتأخذنا معها في رحلة عابرة نمر فيها علي أبواب مختلفة من الأفكار والمعاني، فنلتقط منها ما يروق لنا، ونعزف عن البعض الآخر، كما نحتفظ ببعض منها لنعيد التفكير فيه في عطلة أخرى أكثر حظا في الفهم والتدبر؛ لأنها كانت مجرد تساؤلات أو قلق وعدم اطمئنان، لكنه لم يسفر بعد عن نتيجة محددة الملامح والقسمات..

إن هذا الذي يحدث هو من خصائص “الفراغ” الذي يعترينا من آن لآخر، فهل يمكن أن نصوغ من هذا الفراغ “نظرية حركية” متكاملة؟!..

*****

تخبرنا العلوم الفيزيائية بأن “الفراغ” هو خلو حيز ما من المادة، بحيث ينخفض هناك الضغط بشدة، ويصبح أقل من الضغط الجوي بكثير، وفي الوقت نفسه تُنبه تلك العلوم علي أنه لا يوجد “فراغ” مطلق لأن أية مساحة مهما بدت شاغرة فإنها لا تخلو من إحدي عناصر الهواء وإن كانت غير ظاهرة حيث بلغ أعلى ضغط فراغي تم قياسه حتى الآن 0,0000000001 باسكال. وتلك القواعد الطبيعية هي الأساس في صنعة مُكنة حاوية للاستبداد أو مقاومة له في عالم الفكر، وذلك علي محاور متراتبة..

أولها محور الفرد: حيث تتصل قواعد الفيزياء بالذات الإنسانية اتصالا مباشرا وذلك في نقطتين شديدي الوضوح والبداهة؛ الأولي هي أن “الفراغ” إنما هو ناتج من نتائج “قلة الضغط”، وهذا يصدق تماما علي بغية ومقاصد الانطلاق في عالم الحركة والعمل العام، فإذا استشعر الفرد هما ما تجاه دينه، بلده، أو منطقته العربية والإسلامية؛ فإن هذا يعني أن هذا الهَم سيظل يحدو به للعمل والبذل والسعي بحيث تتشكل حياته وفقا لهذا الهم، وذاك “الضغط” الذي يؤرقه، وبالطبع فالصورة المضادة لذلك شديدة الوضوح، فإذا لم يكن للفرد هذا “الهم” وذلك الشعور العام بالمسؤولية تجاه ما يدور حوله من أمور، فإنه في هذه الحالة سوف يرتع في “فراغ” يمضي معه وبه الوقت كيفما اتفق خاصة في أيام العطلات الكثيرة والكثيفة التي يتمتع بها المصريون في تلك الآونة، وفي ظل حجم البطالة الآخذ في الازدياد..

وهذا يضعنا علي النقطة الثانية المستقاة من قواعد العلوم الطبيعية وهي أنه “لا يوجد فراغ مطلق”؛ أي أن هذا الوقت الخالي من العمل، و الذي لا نلتفت إلي قضائه في الهم والأمر العام، هذا الوقت في الحقيقة سوف يكون القاطرة التي تحدو بصاحبها وتتجه  به هي صوب المذاهب الشتى، والتي في الأغلب لن تكون ذات مغزى إيجابي محقق، وفي هذا قول البعض” ونفسك إن لم تشغَلْها بالحقِّ وإلا شغلَتْك بالباطل”، وقاعدة كتلك، وإن كانت تصدق علي قواعد الجماهير في كل وقت وحين، إلا أنها في أوقات الأزمات والحروب طامة كبرى، خاصة إذا طرأت علي بعض العاملين ممن قد يركنوا إلي هذا “الفراغ” ويطمئنوا له، فإن المخاطر في تلك الحالة ستكون أشد؛ ليس فقط لفقد الميدان بعضا من أهله، ولكن لأن “فراغهم” سيتمخض عنه سهام تتجه رأسا إلي أهليهم المرابطين في المُعْتَرَك ولم يغادروا فتكون الخسائر مضاعفة.

*****

أما المحور الثاني فيتعلق بما هو داخل منظومة العمل نفسها، وما يرتبط بها من خطط وآليات ورؤي، ففي كثير من الأحيان نعمل باطراد مستخدمين الوسائل والآليات المعمول بها سلفا، نظرا لأن بها خبرات سابقة، ومن ثم تسهل محاكاتها وتكرارها*، فإذا كانت تجارب بعض الدول علي سبيل المثال هي التعبير بالرفض عن طريق التظاهرات والاعتصامات، أو كان أكثر الشباب يعملون في الحقل الحقوقي أو الإعلامي؛ فيتم استتنساخ تلك الوسائل، والاستمرار في العمل وفقا لها وكأنها هي الهدف بعينه، وهذا بمرور الوقت وكثرة التكرار يبعدنا عن المقصد الحقيقي من جهة، كما يميت بداخلنا القدرة علي الابتكار والإبداع لآليات أخري، ربما تحقق نجاحات أكثر ويتجه الآخرون للاقتداء بنا فيها، ولكن ما يعنينا هنا هو ما يتعلق بفكرة “الفراغ” التي نتحدث عنها، فالاستمرار في العمل النمطي المختبر من ذي قبل، ربما  يبعدنا عن مساحات أخرى مازالت “فارغة” دون عمل. ومن ثم فلابد أن تكون هناك خارطة كلية واضحة في أذهاننا جميعا، بحيث يتم شغل كافة النطاقات عليها، وليس التقوقع والانكفاء داخل حيز دون الآخر فيحدث الخلل ويتسلل الخصم من تلك المساحة “الفارغة” التي تبقى كالثغر المتاح أمام أضعف الرماة..!!

*****

ويدور المحور الثالث، حول تلك المناطق الفارغة التي نجح الخصم في شغلها بالفعل داخلنا كشعوب وجماهير، وهي الأمور المتصلة بالأطر الثقافية والفكرية والنفسية، فنحن أبناء للبيئة التي نحيا فيها، وقد ترسبت داخل تلك البيئة علي مدار عقود طويلة صنعة محترفة لهذا “الفراغ” داخلنا، ففي أشد أوقات المحن والحروب التي تمر علي أمتنا نجد أن الكثير من الأفلام السينمائية إما أن تتحدث عن قيس الذي يبحث عن ليلاه، أو تستجلب الضحكات العابرة علي الشفاه عبر حماقات ومبالغات ساخرة لا معني لها، هذا في أبسط التقديرات إذا أغفلنا الحديث عن تكريس المفاهيم المغلوطة والتاريخ المزيف، وهذا كله من معاني التفريغ التي عانينا منها ومازلنا إلي الآن، فالكثير مما حولنا من محتوى وجداني وثقافي هو ابن أصيل لتلك الاستراتيجية في التفريغ لقوتنا وأحلامنا وطموحنا؛ بحيث تصير الذات هي الهدف، وينمو لدينا جيل من الشباب يسعد ويأتنس بهذا “الفراغ” الوجداني والفكري، والذي تصير معه مهمات أمته أو محنها غير ظاهرة في القلق والطموح المعرفي والعملي والمهني لديه..وهذا الاطمئنان للفراغ هو في حد ذاته أكبر نجاح يحققه خصم مستبد باتجاه الشعوب.

فهل نتخيل مدي الخطر المحدق بنا إذا فقدنا خصائص الحُلم الوثابة المُحفزة، وتشوهت لدينا ملكة الخيال، تلك التي تنمو عندها أية فكرة رائدة أو آلية تغيرية !

*****

ويرتبط المحور الرابع والأخير بالخصم بشكل مباشر، حيث ننظر هنا إلي “الفراغ” كصناعة يمكننا العمل وفقا لها في إطار المواجهة للإستبداد، فالخصم يخسر في كل يوم جزءا من ظهيره الشعبي، ومن الحكمة ألانترك هؤلاء كالإبل الشاردة طالما ليسوا أصحاب جريمة مادية أو أيادٍ ملطخة بالدماء، بل يجدر بنا السعي لهم لا بمنطق التشفي أو الفرح ببليتهم؛ وإنما سعيا لإيضاح وإبانة وجه الحق، والذي هو المأرب من أي تدافع أو حراك، وفي هؤلاء ستكون الفرص مواتية لأن النيل منهم من قِبل من ناصروه وأيدوه من المنتظر أن يكون قد أزال الغشاوة عن أعينهم، و أسقط سوء الفهم عن عقولهم..

وهذه الاستراتيجية ستكون مختلفة عن سياسة ملء الفراغ أو سد الفراغ التي تبنتها الولايات المتحدة الأمريكية بعد إنسحاب قوي الاحتلال التقليدية، فالأخيرة قد استبدلت احتلالا باحتلال من نوع آخر يأسر الفكر ويوجهه ويسيطر علي الثروات والأموال، أما المطلوب الحالي فهو الاستفادة من حالة التفريغ التي صنعها الانقلاب حول نفسه، بل و الدفع في إحداث تلك الحالة، وذلك ليس لتلقف جمهورا والإنتقال به من معكسر لآخر، وإنما لمساعدة الشعب في تبني وعي حقيقي بمصالح بلادهم ومساعدتهم علي الانحياز إلي جانب الحق، ولا يهم بعد ذلك كيف يعملون أو مَن سيساندون من الجبهات، لأن المقصد الحقيقي هو صناعة مجتمع حر رشيد وليس أسيرا أو منقادا معصوب الأعين مغمض العقل..

 *****

وهكذا تكتمل ملامح “نظرية الفراغ” ذات الوجهين؛ فهي إما أن تكون خطوات مساعدة لتمكين الاستبداد ومساعدته، وإما أن تكون يدا مجاهدة ودافعة له؛ فإذا ما التفت كل فرد إلي كُنه الهم الضاغط علي فكره والقاطر لعمله وجهده، وإذا ما تمت صناعة خارطة كلية للمواجهة والبناء بحيث يتم ملء كافة الميادين عليها، وفي هذا الإطار حافظنا علي معاني الحلم والخيال بداخلنا كقوة ناهضة محفزة، وأخيرا اجتهدنا في سد الفُرج التي يتركها لنا الخصم ولا نزهد فيها أو نعزف عنها..عند هذا نكون قد انطلقنا في هدم الاستبداد وتقويض أركانه..

—————

هامش:* الفكرة ناتجة عن مناقشة سابقة مع أحد رجال جماعة الإخوان المسلمين، ومن الصعب الإشارة الآن إلي اسمه لأنه رهن الإعتقال في سجون الانقلاب

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم