يحق للمصريين الآن أن يحتفلوا بيوم 23 يوليو الاحتفال اللائق، وذلك بتنكيس الأعلام وتوزيع الكعك على الفقراء في المقابر، وقراءة الفاتحة على أرواح ضحايا هذا اليوم، ومغامرات نظام انقلاب 23 يوليو الفاشلة، من تعذيب في السجون، وهزائم كاسحة لا مثيل لها في التاريخ الحديث والقديم، هزائم أضاعت القدس والبقية الباقية من فلسطين وأضاعت كرامة شعب.

اليوم.. يحتفل إعلام العسكر بالذكرى الـ66 لانقلاب 23 يوليو 1952، فبعد حرب 1948 وضياع فلسطين ظهر تنظيم الضباط الأحرار في الجيش المصري بزعامة جمال عبد الناصر، وفي 23 يوليو 1952 قام التنظيم بانقلاب مسلح باركته الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، ونجح في السيطرة على الأمور في البلاد وعلى المرافق الحيوية في البلاد، وأذيع البيان الأول للانقلاب بصوت أنور السادات، وفرض الجيش على الملك التنازل عن العرش لولي عهده الأمير أحمد فؤاد، ومغادرة البلاد في 26 يوليو 1952.

ثم ألغيت الملكية وأعلنت الجمهورية في 1953، ظاهريا كان قائد الانقلاب الذي أُطلق عليه فيما بعد “ثورة”، هو اللواء محمد نجيب، لكنَّ صراعًا نشأ بين اللواء نجيب والبكباشي عبد الناصر؛ لأن الأول أراد عودة العسكر إلى ثكناتهم وترك السياسة والحكم للشعب، والواقع أن نجيب تم اختياره من قبل الضباط الأحرار كواجهة للثورة؛ لما يتمتع به من سمعة حسنة داخل الجيش، وكان اللواء الوحيد في التنظيم، وكان سبب انضمام الكثير من ضباط الجيش للضباط الأحرار، وكان أحد أهم عوامل نجاح الانقلاب.

اتهام راقصة!

لكن عبد الناصر الذي كانت تدعمه واشنطن، استطاع أن يحسم الصراع إلى صفه في النهاية، وحدد إقامة محمد نجيب في منزله لفترة من الوقت، وتولى عبد الناصر بعد الانقلاب على نجيب السلطة من 1954 حتى وفاته مسموما عام 1970، واستمد شرعية حكمه من تضليل الشعب وإعطاء انقلاب يوليو صفة الثورة.

جاءت نكسة 5 يونيو 1967 متممة لانقلاب يوليو، وما زالت تفاصيل ليلة النكسة والحفل الساهر للراقصة زينات علوي في مطار أنشاص الحربي ليلة الرابع من يونيه عام 1967 من الأسرار الغامضة، خوفا من فيضان الأسئلة، وأهمها: هل حقا كانت زينات علوي هي السبب الأول في النكسة؟ ولماذا تم تأجيل ميعاد الحفل والذي كان مقررا له أن يكون في اليوم الأول من الشهر؟ ولماذا اعتذر عبد الحليم حافظ عن استكمال الحفل قبل انتهائه؟ ولماذا لم ينته الحفل في ميعاده وظل مستمرا حتى الصباح؟ ولماذا تمت إذاعة الحفل مباشرة في الإذاعة المصرية؟

بعد دقائق من انتهاء الحفل ورحيل الفنانين إلى القاهرة، كانت الطائرات الحربية الإسرائيلية تحلق فوق قاعدة أنشاص الجوية، وتدك القاعدة بالقنابل الثقيلة والصواريخ حتى سوتها بالأرض، وللتغطية على تلك الخيانة والترتيب مع العدو الصهيوني، قام العسكر باستدعاء موسيقار الحفل واتهامه بالتجسس، بل وقام إعلام العسكر باتهام راقصة الحفل هي الأخرى بالاشتراك فيما سماه مؤامرة، وتم التحقيق مع الموسيقار بمعرفة الضابط محمد حسني مبارك، الذي أصبح هو نفسه فيما بعد رئيسا للجمهورية، حتى تم خلعه في 25 يناير 2011.

خدعوا الشعب

نزل الشعب المصري إلى الشارع لدعم العملية الانقلابية في 23 يوليو، فرحًا ببيان الرئيس الراحل محمد أنور السادات، الذي جاء فيه أن “مصر بعد هزيمة 1948 تضافرت فيها عوامل الفساد وتآمر الخونة على الجيش، وتولى أمرهم إما جاهل أو خائن أو فاسد حتى تصبح مصر بلا جيش يحميها، وعلى ذلك فقد قمنا بتطهير أنفسنا وتولى أمرنا في داخل الجيش رجال نثق في قدرتهم وفي خلقهم وفي وطنيتهم، ولا بد أن مصر كلها ستلقى هذا الخبر بالابتهاج”.

نجح الانقلاب العسكري عام 1952، ونجح عبد الناصر في حسم الصراع بينه وبين اللواء محمد نجيب، حيث رأى الأخير ضرورة تسليم السلطة لسلطة مدنية منتخبة، فحدد عبد الناصر إقامة محمد نجيب في قصر زينب الوكيل حرم مصطفى النحاس باشا بضاحية المرج شرق القاهرة لحين وفاته.

رفع قادة الانقلاب مجموعة من الشعارات حتى يدغدغوا مشاعر الأمة المصرية، ويحصلوا على تأييدها، ولعل أفضل وسيلة لتقييم هذا الانقلاب هي تقييمه بما حققه على الأرض وطبقه من مبادئ وضعها هو لنفسه، وهى المبادئ الستة لحركة الجيش المباركة كما كانت تسمى في ذلك الوقت: “القضاء على الإقطاع، القضاء على الاستعمار، القضاء على سيطرة رأس المال على الحكم، إقامة حياة ديمقراطية سليمة، إقامة جيش وطني قوي، إقامة عدالة اجتماعية”.

بعد 66 سنة

بعد 66 سنة.. هل تحقق من وعود العسكر شيء؟ هل قضى الضباط على الإقطاع أم استبدلوه بإقطاع آخر وباشاوات جدد أكثر جهلا وأكثر جشعا وأكثر استغلالا؟ هل قضى الضباط على الاستعمار أم استبدلوا الاستعمار الإنجليزي العسكري والسياسي بالاستعمار السوفيتي ثم الاستعمار الأمريكي الاقتصادي والسياسي؟ هل قضى الضباط على سيطرة رأس المال على الحكم، أم أننا نشهد زواجا كاثوليكيا بين رأس المال والسلطة؟ قد يذهب باشاوات ويأتي رجال أعمال ولكن يظل المعنى واحدا، رأس مال متزوج بالسلطة السياسية لينجب لنا فسادا.

هل أقام الضباط حياة ديمقراطية سليمة؟ أم قتلوا براعم الديمقراطية التي كانت تزرعها مصر حتى ليلة الانقلاب، وحرصوا على تجهيل وتسطيح وقمع وتخويف المصريين ليخرجوا بكل بجاحة من وقت لآخر ليقولوا إن مصر غير مؤهلة للديمقراطية؟ لماذا لم تُؤهلوا مصر للديمقراطية وأنتم تحكمون منذ 66 سنة؟ هذا دليل إدانتكم وليس دليل براءتكم.

أما إقامة جيش وطني قوى، ربما كان هذا المبدأ الوحيد الذي حقق فيه الضباط بعض النجاح، ولكن يظل السؤال: هل تم ذلك حبا في مصر ولأن قوة الجيش هي أحد عوامل قوتها، أم لأن قوة المؤسسة العسكرية ضمان استمرارهم في السلطة؟

وأخيرا إقامة العدالة الاجتماعية، وكم من جريمة ترتكب باسم العدالة الاجتماعية، سيروا في طرقات مصر لتروا العدالة الاجتماعية وهى تأكل من صناديق القمامة، قدموا في وظائف الخارجية أو العدل أو الشرطة أو هيئة تدريس الجامعات أو الهيئات الرقابية أو قطاع البترول أو قطاع البنوك لتروا العدالة الاجتماعية، اذهبوا للمستشفيات والمدارس الحكومية لتروا العدالة الاجتماعية، فأي ثورة يتكلمون عنها؟ هو انقلاب استولت فيه المؤسسة العسكرية على السلطة واستبدلت رجال السلطة القديمة برجالها، فقط لا غير.

رابط دائم