النهب والسيطرة وجهان للعلاقة بين عصابة أبو ظبي والسفيه قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي، ووصف سياسيون واقتصاديون قرار العسكر بنزع ملكية 915 قطعة أرض بمثلث ماسبيرو بوسط القاهرة دون تعويض لائق لأصحابها، بأنه بمنزلة “بلطجة” لخدمة الأغراض الإماراتية التي تقف وراء تطوير مشروع المثلث.

ويشير المختصون إلى أنه بقرار العسكر، فإن مثلث ماسبيرو ينضم لجزر الوراق ومحمد والدهب، التي قام السفيه السيسي بنزع ملكيتها لخدمة المستثمرين الإماراتيين، الذين توسعوا في الحصول على المناطق الحيوية بنهر النيل ووسط القاهرة، لإقامة مشروعات سياحية وترفيهية وسلاسل فنادق فارهة.

وكانت الجريدة الرسمية قد نشرت، الخميس، قرار رئيس وزراء الانقلاب مصطفى مدبولي بنزع ملكية 915 قطعة بمنطقة مثلث ماسبيرو، التي تقع في المنطقة بين وزارة الخارجية ومبنى الإذاعة والتلفزيون على كورنيش النيل، وتمتد من ميدان عبد المنعم رياض وحتى شارعي الجلاء و26 يوليو بوسط القاهرة، بإجمالي مساحة تقدر بـ51 فدانا.

ركائز السيطرة

ويواصل السفيه السيسي تسديد فواتير دعم دول الخليج له، وتحملهم تكلفة الانقلاب على الرئيس محمد مرسي، ويرى مراقبون أن الدعم الإماراتي للانقلاب العسكري في مصر أحد أسباب استمراره، كما اعتبروا أن الاستثمارات المشتركة بين الشركات الإماراتية والهيئة الهندسية بالجيش، تعتبر أهم ركائز هذا الدعم، وتعددت أشكال الدعم الإماراتي للعسكر منذ العام 2013، وكانت أهم مسارات الدعم تلك التي تمت بين الشركات الإماراتية وبين جهاز مشروعات الخدمة الوطنية والهيئة الهندسية التابعتين للقوات المسلحة.

ومؤخرا، وقّعت شركة “ماجد الفطيم” الإماراتية اتفاق تعاون مع وزارة الاستثمار والتعاون الدولي وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية بحكومة الانقلاب بمصر لإنشاء مئة متجر للتجزئة تحت العلامة التجارية كارفور، بنظام المناطق الاستثمارية في عدة محافظات، وعلى مدى طويل ظل وجود الاستثمارات غير المصرية في سيناء يمثل هاجسًا مقلقًا لدى الخبراء وأهالي سيناء على السواء، وكانت توضع له شروط صعبة تتعلق بملكية المؤسسات لأراضي مشروعاتها، غير أن مجموعة القاسمي الإماراتية حصلت على تسهيلات كبرى لإقامة المشاريع.

وكانت بدايات الاستحواذ والسيطرة منذ وقوع الانقلاب عام 2013، حينما أطلق السفيه السيسي بصفته نائب رئيس مجلس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة؛ مبادرة “من أجل شباب مصر” لحل مشكلة الإسكان للشباب محدودي الدخل، ووقعت الهيئة الهندسة للقوات المسلحة وقتها بروتوكول تعاون مع شركة “أرابتك” الإماراتية لإنشاء مليون وحدة سكنية خلال السنوات الخمس التي أعقبت الانقلاب.

وأعلنت الهيئة الهندسية بين عامي 2015 و2016 عن التعاون مع الجانب الإماراتي في إنشاء وحدات سكنية نموذجية وعشرات المدارس والمراكز الطبية والساحات الرياضية والمحلات التجارية والمخابز ونقاط الشرطة ونقاط الإطفاء في 17 محافظة.

ضجيج بلا طحين!

ولا يشعر المصريون بمردود هذه المشروعات الإماراتية عليهم رغم كثرتها، ورغم مرور سنوات على انطلاق بعضها كمشروع الإسكان، وتعثر مشروع الإسكان بسبب مشاكل تتعلق بالشركة الإماراتية رغم موافقة السفيه السيسي على منح الأرض بالمجان للشركة، مما وفّر ربع التكلفة التي موّلها نحو أربعين بنكا.

ورأى المحلل السياسي مجدي حمدان في هذه الاتفاقات جزءا من توجه الدولة لتقليص دور القطاع الخاص و”تعظيم مدخلات المؤسسة العسكرية”، واعتبرها انعكاسا واضحا لمقولة أن الوزارات “مجرد سكرتارية” لا دور لها في إدارة الدولة.

والأمر هنا يبعث على التساؤل عن ماهية استفادة الدولة والمواطن في ظل هذه الحالة من الإسناد المباشر بلا أي أطروحات أخرى مثل المناقصات والمزايدات، ويعتقد حمدان أن الاهتمام الأكبر للعسكر حاليا لا يُعنى كثيرا بالإجراءات، ليركز على “توجهات جديدة مع الفترة المقبلة للاستيلاء على الحكم”، حيث تستهدف هذه التوجهات وضع الاقتصاد المصري بكل أنشطته في يد مؤسسة واحدة فقط، حتى إذا وقعت مفاجآت بالتغيير فإن “التحكم المباشر في مفاصل الدولة يكون بيد تلك المؤسسة العسكرية”.

وشهدت العلاقات السياسية والاقتصادية بين العسكر والكفيل الإماراتي تحسنًا ملحوظًا بعد الانقلاب العسكري يوم 3 يوليو 2013، ولا تتوفر بيانات عن نواتج هذا التحسن، فالمحلل الاقتصادي ممدوح الولي ينفي وجود معلومات محددة عن حجم الاستثمارات الإماراتية في مصر بسبب “التعتيم الإعلامي” الذي تفرضه سلطات الانقلاب على هذه الاستثمارات.

مجرمون

وبعد أن قضى الملايين من المصريين 18 يومًا في ميادين مصر الرئيسية للمطالبة بخلع حسني مبارك، ونجحوا في تحركاتهم، شكلت تلك الخطوة جرس إنذار دوى في آذان حكام المنطقة أجمع، وبدت تصرفاتهم تتغير لاحقًا بشكل مقلق، وأبرزهم كان لدى ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان.

وقلق محمد بن زايد تجلى في إطلاقه حملة قمع طالت عشرات من النشطاء والإصلاحيين الإماراتيين بالتزامن مع انطلاق الربيع العربي في 2011، ما لبث أن تحول إلى غضب مع صعود الإخوان المسلمين إلى السلطة، وفوز الرئيس محمد مرسي في أول انتخابات رئاسية تشهدها مصر عبر تاريخها، في لحظة لم تتكرر في السنوات الست التي لحقتها.

صعود الإخوان لم يكن مفاجئًا لأكثر المتابعين، لكن غضب محمد بن زايد كان مفاجئًا، فبحسب دبلوماسي أمريكي تحدث للصحفي المخضرم ديكستر فيلكينز من مجلة نيويوركر، “جُنّ جنون الإماراتيين والسعوديين بعد انتخاب مرسي”، وبُعيد انتخاب عضو مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان رئيسًا، بدأ محمد بن زايد استثماره في مصر، لكن بشكل مختلف هذه المرة.

وبالتعاون مع رئيس الاستخبارات السعودية في ذلك الوقت، بندر بن سلطان، تواصل محمد بن زايد مع وزير الدفاع في ذاك الوقت عبد الفتاح السيسي، والذي كان قد عُين في منصبه قبل ذلك بأسابيع، كان العرض الذي قدمه بن زايد للسيسي بسيطًا، ويبدو أنه كان من النوع الذي لم يمكن رفضه.. 20 مليار دولار فورًا إذا غدر بالرئيس مرسي.

لم يرفض السيسي، لكنه طلب وعودًا بالنجاح حصل عليها، وبعد أشهر من قيام الإمارات بالتنسيق لبناء حملة “تمرد”، التي وفرت الغطاء الشعبي لانقلاب السفيه السيسي، كان الخائن يتلو بيانًا يعلن فيه الانقلاب على الرئيس مرسي وتعطيل العمل بالدستور، وعهدًا جديدًا في مصر مرسومًا بأقلام إماراتية.

رابط دائم