يأتى عيد الفطر المبارك جائزة للمسلمين بعد صيام شهر بتمامه، فحُق للصائمين أن يفرحوا، وحُق لهم أن يُسرّوا، وأن يتبادلوا التهانى والتبريكات كما فعل الصحابة والتابعون، وأن يهللوا الله ويكبروه حمدًا على ذلك الختام السعيد: (وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [البقرة: 185].

منذ السنة الثانية للهجرة، وبعد أول رمضان يصومه النبى – صلى الله عليه وسلم- والذين معه؛ والمسلمون يحتفلون بهذا اليوم، وقد اختاره الله لهم عيدًا بعد فريضة الصيام، كما اختار لهم يوم الأضحى عيدًا بعد شعيرة (الحج)؛ وهذا اليومان وما بعدهما (أيام أكل وشرب وبعال) كما ورد عن المعصوم – صلى الله عليه وسلم-.

ويوم العيد يوم بر وصلة ورحمة (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) (يونس: 58)؛ فلا يجوز فيه اجتلاب الحزن والكرب، ولا يجوز فيه الشقاق، بل هو يوم عفو وتصافح ومغفرة، ويوم ود وقربى وتهنئة، فيه يعظِّم المسلمون ربهم، ويذكرونه، ويكبرونه بكرة وأصيلًا؛ ليأنس المجتمع كافة إلى فضيلة هذا الدين وما يشمله من منٍّ وعطاء.

ومن الواجب فى هذا اليوم أن يخرج المسلم فى أبهى صورة، وفى أحسن مظهر. هكذا كان يفعل النبى – صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام. عن الحسن بن على –رضى الله عنهما-: (أمرنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم- فى العيدين؛ أن نلبس أجود ما نجد، وأن نتطيب بأجود ما نجد، وأن نضحى بأثمن ما نجد) (الحاكم). وكان ابن عمر – رضى الله عنهما- يغتسل قبل أن يغدو إلى المصلى، وكان يلبس أحسن ثيابه فى العيدين.

كما من الواجب أن يظهر المسلمون قوتهم فى العيد؛ بالجهر فى التكبير، والتعاون على البر والتقوى، وتنقية صفهم من النزاع والخلاف، وهذا سر مخالفة النبى – صلى الله عليه وسلم- الطريق يوم العيد؛ فعن جابر: (إذا كان يوم عيد خالف الطريق) (البخارى)؛ أى كان يذهب فى طريق ويرجع فى آخر؛ ليسلِّم على أهل الطريقين، ولينال بركته الفريقان. ففى المصافحة والعناق غفران الذنوب، وتقارب القلوب، وإخراج ما علق بها من غل وحقد.

ليوسِّع المسلمون على أهليهم وعلى الفقراء فى هذا اليوم؛ فالأهل أولى بالمسلم من نفسه، وسعادتهم سعادته، وإظهار الكرم والسرور فى هذا اليوم من شعار الدين، ولتكن للأهل فسحة، وهذا هو الأصل فى ديننا؛ لما ورد عن النبى – صلى الله عليه وسلم- الذى سمح باللعب أمام أهله فى هذا اليوم –وهو لعب مباح-؛ (ليعلم يهود أن فى ديننا فسحة، وأنى أرسلت بحنيفية سمحة). صدق رسول الله.

أما التوسعة على الفقراء فى هذا اليوم فهى ليست اختيارًا، بل هى واجب؛ من أجل ذلك فُرضت زكاة الفطر طعمة للمساكين؛ لئلا يبقى مسلم واحد لم تشمله رحمة هذا اليوم؛ فتأتى تلك الزكاة لتسد حاجة المحتاج، ولترفعه إلى حظيرة الصف المسلم التى لا عيلة فيها ولا عوز؛ تلبية لدعوة النبى – صلى الله عليه وسلم-: (أغنوهم فى هذا اليوم).

ومن الواجب فى هذا اليوم تفقد أحوال المسلمين، ورعاية ذممهم التى فى أعناقنا تجاههم، خصوصًا من لا يسألون الناس إلحافًا، ومن يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف. ومن الوجب أيضًا تفقد الأسر التى لا عائل لها، وتفقد أسر المعتقلين والشهداء والمكلومين الذين طالهم سيف المجرمين؛ فهم أولى بالرعاية والصلة من غيرهم.

ومن أوجب الواجبات صلة الرحم؛ فهذا اليوم يوم عفو ورحمة، ولا عذر فى ذلك لمعتذر ولو كان الموصولون قد قطعوا حبال القربى ووشائج الرحم؛ فإنه ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل من إذا قُطعت وصلها، وتلك طاعة تحتاج إلى صبر كما نفعل فى سائر الطاعات، والأقربون أولى بالمعروف، وقد نسب الله –تعالى- تلك الوشيجة إلى نفسه؛ فمن وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه. ليكن العيد وقفة لمراجعة هذا الأمر. والله الموفق والمستعان.

ليكن شعارنا فى هذا اليوم حديث النبى – صلى الله عليه وسلم-: (إن لكل قوم عيدًا، وهذا عيدنا) (البخارى)؛ فلنأت فيه بما يليق بالأعياد من فرح وحبور، ولا نحرم أنفسنا من شعائره السعيدة من تكبير وصلاة نصطحب فيها النساء والأطفال، وأن نسعى بين الناس بالبشر والأمل، فلا يبقى فى المسلمين فى هذا اليوم يائس ولا بائس ولا قانط ولا مكروب.. وتقبل الله منا ومنكم.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم