كتب سيد توكل:

تعريف كلمة إخفاق أو فشل اقتصادي في قاموس المعاني الآن سيعني بكل بساطة أن مصر "دولة غنية وإدارة غبية"، وتلك الإدارة جاءت بالانقلاب وحولت كل شيء إلى جحيم لا يطاق، فخلال الساعات الماضية غادر أكبر  تحالف دولي لشركات شحن الحاويات موانئ بورسعيد، إلى ميناء "بيريه" اليوناني.

وتعبير "دولة غنية وإدارة غبية" اختاره أستاذ الهندسة بجامعة قناة السويس ومدير مركز "طيبة" للدراسات السياسية والإستراتيجية، خالد رفعت، للتعبير عما وصفه بكارثة شهدها ميناء شرق بورسعيد، الذي كان تجمعا لكبرى شركات الحاويات البحرية والشحن البحري.

التحالف المذكور يضم مجموعة من الخطوط الملاحية العالمية العملاقة في نشاط الحاويات، منها خطا ملاحة يابانيان، هما "نيبوني ياسان كايشا NYK" و"مول MOL"، وكذلك الخط الملاحي التايواني "يانج منج YANG MIN"، والخط الملاحي الكوري "كي لاين K LINE"، والخط الملاحي "إيفر جرين EVERGREEN".

محمد أبوحشيش -وكيل خط "كي لاين" بمصر- أكد الأخبار السابقة، قائلاً -في تصريحات نقلتها صحيفة "المال"-: إن "التحالف" وقع مؤخرًا تعاقدًا مع ميناء "بيريه" اليوناني، كبديل لموانئ بورسعيد، اعتبارًا من شهر إبريل المقبل.

يأتي هذا بالتزامن مع ما كشفته مصادر بقطاع النقل البحري المصري بأن شركة "ميرسك" الدنمركية الشهيرة للحاويات قررت تقليص حجم أعمالها بموانئ بورسعيد، وأجرت أرصفة في ميناء "مالطا" لتنقل إليها عملياتها في شرق البحر المتوسط، فيما يدور الحديث عن قرار من "كوسكو" الصينية، عملاق الشحن البحري العالمي، بنقل أعمالها إلى اليونان أيضا.

كارثة جديدة
خبراء يؤكدون أن السبب الرئيسي وراء الهروب الجماعي لشركات الحاويات والشحن البحري العالمية من مصر، هو القرار رقم 800 لسنة 2016، الذي اتخذه وزير النقل السابق لمضاعفة مقابل الانتفاع بالموانئ، لتصبح السفينة (حمولة 18 إلى 20 ألف حاوية) تدفع 100 ألف دولار رسوم، مقابل 40 ألف دولار فقط في ميناء "بيريه" اليوناني، كذلك ارتفع سعر المُناولة للحاوية الواحدة إلى 30 دولارا في بورسعيد، بينما لا يتجاوز في اليونان 15 دولارا، وفقًا لما نقله الباحث نائل شافعي، نقلاً عن مصدر بقطاع الشحن البحري المصري، حسب قوله.

حسب الدكتور خالد رفعت -أستاذ الهندسة بجامعة قناة السويس ومدير مركز "طيبة" للدراسات السياسية والإستراتيجية- فإن تحذيرات جادة وجهت للحكومة من قبل خبراء ملاحيين، قبل اتخاذ القرار السابق، مؤكدين أن سوق الشحن البحري العالمية تعاني من ركود وتراجع؛ ومن ثم فإن قرار رفع الرسوم، سيزيد الضرر على الشركات، مما قد يدفعها للتّخارج من مصر، لكن الحكومة أصرت على اتخاذ قرارها السابق.

"رفعت" أضاف: "الآن وبعد وقوع الكارثة تشكلت لجنة من قطاع النقل البحري لدراسة إدخال تعديلات على القرار الوزاري 800 لسنة 2016 والخاص برفع مقابل الانتفاع بالموانئ.. يعني -كده بالبلدي- لإلغاء القرار".



لا تقل إدارة وقل "بلطجة"!
موقع "عربي 21" نقل عن رئيس جمعية الملاحة بالإسكندرية رفعت رشاد، قوله: إن الشروط المُجْحِفة التي تفرضها الحكومة المصرية ممثلة في وزارة النقل، إلى جانب رفع الرسوم التي تفرضها على السفن دون وجود خدمات جديدة تقدمها الحكومة لخطوط الملاحة، هي أحد أهم الأسباب التي تدفع تلك الخطوط العملاقة إلى مغادرة الموانئ المصرية والبحث عن موانئ أخرى تحقق لها عائدات أفضل.

وأضاف: "ما الميزة التنافسية في الأسعار التي فرضتها الحكومة المصرية على شركات الحاويات؟ وما الخدمات التي ستقدمها لتلك الشركات مقابل رفع الأسعار؟".

وفقًا للتطورات السابقة، يتوقع الدكتور خالد رفعت أن ينخفض حجم تداول البضائع والحاويات بميناء شرق بورسعيد إلى 1.2 مليون حاوية العام الجاريي، مقارنة بـ1.8 مليون العام الماضي، في الوقت الذي تصل فيه الطاقة الاستيعابية للميناء إلى 5.4 ملايين حاوية.

الفنكوش يتبخر
وكان قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي قد أعلن، في نوفمبر 2015، عن "مشروع قومي" لتحويل ميناء شرق بورسعيد إلى أكبر ميناء لتداول الحاويات في العالم، في حفلٍ مهيب نظمه الانقلاب بهذه المناسبة، وقيل حينها: إن المشروع يعد إحدى أهم حلقات مشروع تنمية محور قناة السويس، الذي يضُمّ شبكة طرق وأنفاق ومناطق صناعية وموانئ إضافية، ومزارع سكنية، ووحدات سكنية، ومصانع.

العمود الفقري لهذا المشروع بالكامل كان هو قطاع الشحن البحري، الذي كان سيتم عن طريقه نقل البضائع من وإلى البلاد، التي كانت الطرق والمصانع والأنفاق ستخدمه؛ ومن ثم فإن خطوة هروب تحالف شركات الحاويات العالمية في مصر كارثية بكل المقاييس، والأمر ليس مبالغة.



الشعب سيدفع الغرامة
قناة السويس كانت قد أعلنت عن تخفيضات لسفن الحاويات المارة؛ بسبب تباطؤ التجارة العالمية وحركة الشحن البحري؛ ومن ثم فإن قرار رفع رسوم الحاويات بميناء شرق بورسعيد كان متناقضًا مع هذا التوجه، مما فتح سؤالاً من متابعين: ما سر هذا التناقض الصارخ في إدارة شئون الدولة الاقتصادية؟

المثير أن هناك ملحقًا وقعته حكومة الانقلاب مع شركة "ميرسك" الدنمركية للحاويات عام 2007، كان تعديلاً لاتفاقية بينهما وقعت عام 1999 تقضي بمنح الشركة الدنمركية حق امتياز لإدارة محطة حاويات ميناء شرق بورسعيد (شرق التفريعة) لمدة 35 عامًا، لكن الملحق أطال فترة الامتياز لتصل إلى 49 عامًا، مما قد يعطي الشركة الحق في مقاضاة مصر دوليًا؛ ردا منها على قرار رفع رسوم حق الانتفاع وتداول الحاويات، الذي لم يكن موجودا في العقد.

رابط دائم