لم تكن رسالةُ سيدنا محمد ﷺ مجردَ رسالة رُوحيةٍ مقصورةٍ على ما يُنظِّم علاقةَ الإنسان بربه فقط؛ بل كانت رسالة ذات شريعة رحبة، تشتمل على ما ينظم علاقة الإنسان بربه، وعلاقتَه بأخيه الإنسان، وعلاقتَه بالكون كلِّه، كما أنها تضمّنت جميع ما يُنَظِّم شئونَ الإنسان، وأمورَه المَعاشيّةَ والمَعاديّة على السواء.

وقد أمر الله المسلمين أن يتّبعوا شريعة الإسلام ويتحاكموا إليها في جميع شؤونهم.

قال تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [سورة الجاثية: 18].

وقال سبحانه: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [سورة النساء: 65].

والمسلمون جميعا لا يَسَعُهم إلا المسارعة في الاستجابة والتنفيذ لهذا التكليف الإلهيّ {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [سورة النور: 51].

وغير هذا من النصوص القرآنية والنبوية الكثيرة، الداعية في صراحة إلى وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية في كافة نواحي الحياة، من سياسية واقتصادية واجتماعية، وحربية وقضائية ونحوها، ولا يتسع المقام لسردها.

ولقد أقام الرسول ﷺ منذ أن هاجر إلى المدينة المُنوَّرة أولَ دولة تَحْكُمها شريعةُ الإسلام، وتُطبَّقُ فيها نُظُمُه ومبادئُه في كافة شئون الناس، ثم سار على هذا النهج خلفاؤه الراشدون، ثم المسلمون بعدهم قرونا من الزمن، يستظلون بِلِواء الشريعة الإسلامية، ويتحاكمون إلى نُظمِها، فسعدوا وعزُّوا وسادوا، وأقاموا حضارة زاهرة كانت ملءَ سمع الدنيا وبصرها، واستحقوا قبل هذا وبعده رضا الله تعالى ورحمته.

ومنذ انقلاب الخائن “السيسي” على الرئيس الشرعي “محمد مرسي” وجدتُ بعض الناس يسلقون الرجل بألسنة حداد، بل منهم مَن ذهب إلى تكفيره؛ بحجة أنه لم يُطبِّق الشريعة الإسلامية!

والعجيب أنّ الذين قاموا بزرع هذا الفكر وتغذيته وهم أدعياء السلفية ومَن يدور في فلكهم، لم يكونوا يقولون بهذا مع حسني مبارك أو القذافي أو بِنْ عَلي أو السيسي ومَن على شاكلتهم… مع أنهم كلَّهم علمانيون محادّون لله ورسوله، بل ذهب أدعياء السلفية إلى أبعد من هذا؛ وهو التأكيد باستمرار على أن أولئك الحكامَ العلمانيين المستبدين هم “ولاة الأمر” الذين يجب السمعُ لهم والطاعة، وإن جلدوا الظهور، وانتهبوا الأموال، وتسلطوا على خلق الله بالقهر والإذلال!

ولا أنكِر أنّ بعض أولئك المنتقدين للرئيس مرسي في أمر تطبيق الشريعة لديهم غيرة صادقة على الدِّين، وإخلاصٌ في حرصهم على أن يسود شرع الله ويحكم.

لكن الإخلاص مِن غير علم وفهم لا ينفع، بل ربما أدى إلى عواقب وخيمة، كما كان حال الخوارجِ قديما، ومَن سار على دربهم حديثا.

إنه مما لا خلاف عليه أن الرئيس محمد مرسي فكّ الله أسره ليس علمانيا، بل أعلن أنه يحمل مشروعا إصلاحيا يرتكز على الإسلام، ويستمد تصوره ومضمونه من شريعته الغراء، وليس خافيا على أحد أنه مارس السياسة عقودا من الزمن وفق برنامج كان عنوانه وشعاره “الإسلام هو الحل”، وابتُلِي بسبب هذا في عصر مبارك، بالإضافة إلى أنه في شخصه وأهله ملتزم بأحكام الإسلام، حافظ متقِن لكتاب الله، ذو غيرة على دينه، وعلى حرمات الله، حريص على أن تكون الكلمة العليا لشريعة الإسلام، وعلى مناصرة قضايا المسلمين في شتى المحافل وجميع المناسبات، بل إنه لولا هذا التوجّه الإسلاميّ من الرئيس مرسي ما وقع التآمر والانقلاب الأثيم عليه..

ولنا أن نسأل:

هل الرئيس مرسي لا يؤمن بوجوب تطبيق الشريعة الإسلامية؟

وهل لم تكن لديه نية في أن يكون التشريع والقانون منطلِقا من الشريعة الإسلامية؟

أما السؤال الأول فالإجابة هي النفي قطعا، والشواهد أظهر من أن تخفى..

وأما الثاني فالرجل قَدّم برنامجَه الإصلاحيَّ، وحرَص على أن يكون دستور البلاد منسجما مع الشريعة الإسلامية، وهذا ما أهاج عليه العلمانيين والشيوعيين وفسقة المسلمين..

إذاً ليس مِن شكٍّ في أن الرجل يؤمن بتطبيق الشريعة الإسلامية، ويسعى لتحقيق هذا الأمر..

ثم إن هناك سؤالا في غاية الأهمية، وهو:

هل كان الرئيس مرسي قادرا على فرض تطبيق الشريعة، ومنع كل ما يخالفها من القوانين والأعمال، ولديه الأدوات التي تمكِّنه من ذلك؟

الواقع أن الرجل لم يكن لديه القدرة على هذا، بل حيل بينه وبين أن يفعل شيئا في هذا الشأن، بكل الطرق..

إن الرجل قد جاء إلى الرئاسة ووجَد واقعا اجتماعيّا ودستوريّا وقانونيّا وفكريّا متجذِّرا منذ عقود في نفوس الناس ومؤسسات الدولة، لا يمكنه تجاوزُه بسهولة، ويحتاج إلى صبر، ومعالجة حكيمة قد تطول.
وليس يخفى على أحد أنه قد قام العسكر بالتواطؤ مع القضاء الذي تأكد تحيزُه ضد ثورة 25 يناير بحل مجلس الشعب المنتخَب قبل أن يمارس الرئيس مرسي رئاسته، وتسلم الرئاسة بدون برلمان، وكان كلما أصدر قانونا أو إعلانا دستوريًّا يتم إشعال الأرض نارا وإفسادا، وتسيير مليونيات، وتدبير مؤامرات لا تتوقف ولا تهدأ، مع وجود سلطة تنفيذية وشرطة قذرة تقاعست وتوقفت عن عملها في تنفيذ الأحكام، وإعمال القانون، وسلطة قضائية غير نزيهة تتربص به، وتلغي ما يصدره من قوانين، وعسكر خونة ولاؤهم لأعداء الله والوطن، دينُهم هو دنياهم ومكاسبهم ومشروعاتهم الاقتصادية التي تصب في جيوب وبطون ثلةٍ فاسدة، بالإضافة إلى إعلام فاجر يحاد اللهَ ورسوله..

كل هذا والرجل مثابر صامد، إلى أن تم الانقلاب عليه قبل أن يتمكن من فعل شيء.

فهل يُلام شرعا والحال كان كذلك؛ من وجود الموانع والعوائق الجبارة العاتية، وانعدام أسباب القدرة والتمكين ؟؟

إنّ من المعلوم في الشرع الحنيف أنّ التكليف والجزاء مرتبطان بالاستطاعة. قال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [سورة البقرة: 286]. وقال سبحانه: {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [سورة التغابن: 16].

وفي هذا أيضا إخبار عن عدل الله تبارك وتعالى؛ حيث لا يُلزِم سبحانه أحدا بما فوق طاقته. ولذلك كان التكليف في الإسلام دائما بما يُطاق. وقد اتفق الفقهاء والأصوليون على أنه لا تكليف مع العجز. قال شهاب الدين القرافيّ في فروقه: «واعلم أنه يشترط في خطاب التكليف عِلْم المكلَّف وقدرتُه على ذلك الفعل». وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما نهيتُكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتُكم به فأتوا منه ما استطعتم» (رواه البخاري ومسلم). وعن أبي سعيد الخدريّ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «مَن رأى منكم منكرا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (رواه مسلم).

وإذا كان الشخص لا يُكلَّف إلا بما يستطيع، ولا يؤاخَذ بما يعجِز عنه في الأمور الفردية أو الشخصية؛ فكيف بالأمور المتعلقة بالأحكام السلطانية والسياسة الشرعية، وأمور الأمة والدولة، التي تتشابك بل تتعارض فيها المصالح مع المفاسد، وتخضع لمؤثِّرات وتحديات محلية وإقليمية ودولية لا يمكن تجاهلها أو تجاوزها ؟؟!!

وما أحكمَ ما قاله «ابنُ تيمية» رحمه الله: “فمَن وَلِيَ ولايةً يَقصد بها طاعةَ اللهِ وإقامةَ ما يُمْكنه مِن دينه ومصالحِ المسلمين، وأقام فيها ما يُمْكنه مِن الواجبات، واجتنابِ ما يُمكنه مِن المحرّمات: لم يؤاخَذ بما يَعْجِز عنه؛ فإنّ تولية الأبرار خيرٌ للأمة مِن تولية الفجار» (مجموع الفتاوى). وتأمل كم تكررت كلمة «يمكنه» في هذا النص القصير!

وعلى هذا فمَن كان في مثل وضع الرئيس مرسي لا يؤاخَذ بما لم يفعله بسبب عدم الاستطاعة، وقد رأينا أن أجهزة الدولة كلَّها كانت تعمل ضدَّه سرًّا وجهرا.

والذي نُشهِد الله عليه أن الرئيس مرسي قد عمل على تطبيق شرع الله في خاصة نفسه وأهله، ثم حاول بقدر استطاعته العمل على تطبيق ما يمكنه من شرع الله في الدولة، وإعلاء كلمة الله في جميع الميادين والمحافل، ونصرة قضايا الإسلام والمسلمين بحسب ما في يديه من إمكانات.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم