كتب سيد توكل:

انخفاض الصادرات في عام واحد بمقدار 27 مليار جنيه، وزيادة الواردات بمقدار 46 مليار جنيه، زاد من عجز الميزان التجاري بنسبة 22% ، لكن من يهتم فالشعب في واد من الهموم المشبعة بالفقر ولهيب الأسعار وإعلام الإلهاء يمارس دوره في تخدير الفريسة التي سقطت في انقلاب 30 يونيو 2013.
 
وعلى بُعد خطوات يقف طفل متأملا، ينطلق بخياله ويتمنى أن لو كان بإمكانه الحصول على كل تلك الأنواع من الحلوى التي يرصها صاحب المحل بشكل مثير للشهية، وبعد حيرة، أعطي للبائع جنيه واحد، وتوقع الحصول على باكو بسكويت لكن البائع رد إليه الجنيه، وأخبره متهكما انه لا يكفي لشراء باكو البسكويت المتواضع لأن الثمن زاد نصف جنيه، ونصحه بالقول: "روح يا بابا صبح به على مصر"!.
 
لم يستطع الصغير بفطرته وحداثة سنه أن يفسر ما حدث معه في ذلك اليوم، فالقضية أكبر منه بكثير، فقيمة الجنيه التي بين يديه قد تآكلت وارتفع معدل التضخم إلى 31.7%، ذلك الشبح الذي أخرجه العسكر من القمقم، وتركوه يخطف الجنيه ويمتص الدم من عروقه ولا يتركه إلا جثة هامدة.
 
حد فاهم حاجة؟
لا يأبه المواطن "الكنبة" بالسياسات الاقتصادية للانقلاب، كل ما يأبه له هو قدرته على توفير المأكل والمشرب والسكن لأولاده، ولا شك أن "التضخم" هو أحد المفردات التي بدأت تتسرب للمواطن "الكنبة" رغم أنفه، لا سيما بعد انهيار الاقتصاد واشتعال الأسعار، مع صدور اعترافات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، التي تشير إلى ارتفاع التضخم إلى أعلى مستوى له منذ عام 1986.
 
وارتفع معدل التضخم إلى مستوى قياسي جديد ليسجل 31.7%؛ وفقا للبيان الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء يوم الخميس الماضي.
 
إن النسبة الأهم على الإطلاق هي تلك التي تعبر عن معدل الارتفاع في أسعار الغذاء والمشروبات، كون الغذاء يستحوذ على النسبة الأكبر من إنفاق محدودي الدخل. 
 
فقد تضاعفت أسعار الغذاء خلال الشهور القليلة الماضية، وعلى سبيل المثال فقد ارتفعت أسعار الغذاء والمشروبات في فبراير الماضي بنسبة 4.1% مقارنة بشهر يناير.
 
وبات المراقبون يتحدثون عن ارتفاع في الأسعار بمعدل 30% في العام الواحد، بمعنى أنه في خلال سنتين سيفقد المواطن 60% من قوته الشرائية، وإذا استمرت الأسعار في الارتفاع على هذا النحو وإذا ظل الدخل النقدي للمواطن كما هو دون تغير، فمن المتوقع أن المرتب الذي يحصل عليه المواطن اليوم سوف يفقد قوته الشرائية كاملة بعد حوالي 3 سنوات من الآن.
 
رفع الدعم
في إطار انبطاح سلطات الانقلاب إلى شروط صندوق النقد الدولي للحصول على قرض الـ 12 مليار دولار، تسلم العسكر الدفعة الأولى منها في نوفمبر الماضي، التزم العسكر أمام الصندوق بإفقار الشعب وتخفيض دعم الوقود تدريجيا كل عام، إلى أن يتم رفع الدعم تماما في غضون خمس سنوات.
 
وبالفعل بدأت الموجة الأولى من رفع الدعم في صيف عام 2014، وكان من المقرر أن يتم رفع الدعم مرة أخرى في صيف 2015، ولكن انخفاض أسعار البترول العالمية حالت دون ذلك. 
 
إلى أن جاءت الزيادة الأخيرة في 3 نوفمبر الماضي، والتي تم بموجبها رفعت سلطات الانقلاب أسعار الوقود بنسب تصل إلى 47%، فعلى سبيل المثال ارتفع سعر لتر السولار من 1.8 جنيه إلى 2.35 جنيه.
 
وضرب رفع أسعار الطاقة -خاصة الوقود- المواطن "الكنبة" في المنطقة الحساسة، هذه الزيادة تسببت في رفع تعريفة المواصلات في جميع أنحاء الجمهورية، وارتفاع أسعار جميع السلع والخدمات التي يدخل الوقود في إحدى مراحل إنتاجها، سواء في مرحلة التشغيل والتصنيع أو في مرحلة النقل من المنتج إلى المستهلك النهائي.
 
تحرير سعر الصرف
منذ انقلاب 30 يونيو 2013 ومصر تتعرض إلى مؤامرة من العسكر لإفلاسها وإغراقها بالديون، ففي ظل تعثر الإنتاج المحلي بعد الانقلاب زادت الحاجة إلى الاستيراد من الخارج، وهو ما أدى إلى زيادة الطلب على الدولار.
 
هذا الطلب المتزايد على الدولار تم تلبيته مؤقتا من خلال إعانات دول الخليج السخية، لكن انخفاض أسعار البترول وتوتر العلاقة مع السعودية بعد وفاة الملك عبدالله الداعم الأساسي للانقلاب، أدى إلى تراجع المنح المقدمة من دول الخليج، وهو ما مثل ضغطا شديدا على الدولار، وزادت الحاجة إليه في الفترة الأخيرة بشكل كبير، وفي ظل محدوديته وقلة عرضه وعدم توافره في البنوك نشأت سوق سوداء، وهي سوق موازية للسوق الرسمية المتمثلة في البنوك والصرافات يتم بيع الدولار فيها بسعر مختلف عن ذلك الذي يتم التعامل به في السوق الرسمية.
 
حاولت حكومة الانقلاب القضاء على السوق الموازية بشتي الطرق، إلى أن اضطرت مؤخرًا إلى تحرير سعر الصرف تماما، هذا التحرير انعكس بشكل مباشر على معدل التضخم، فقد قفز معدل التضخم من 14% في شهر أكتوبر 2016 (قبل التعويم) إلى 20.2% في نوفمبر من نفس العام (بعد التعويم).
 
هذه القفزة في الأسعار التي تلت تحرير سعر الصرف كانت متوقعة، فسعر الدولار في السوق السوداء لم يكن يؤثر إلا على أسعار السلع غير الأساسية، وهي سلع لا يستهلكها السواد الأعظم من المصريين، أما السلع الأساسية فتستوردها حكومة الانقلاب بسعر الصرف الرسمي في البنك، كذلك فإن الجمارك يتم فرضها بالسعر الرسمي أيضا، ومع تحرير سعر الصرف وارتفاع سعر الدولار، فإن جميع أسعار السلع المستوردة قد تأثرت بهذا الارتفاع في سعر الدولار بشكل طردي.
 
التضخم والفقر 
من المتوقع ارتفاع معدلات الفقر إلى أن يسقط الانقلاب العسكري، في غضون ذلك ستتلاشى الطبقة الوسطى في مصر وتختفي تماما لصالح الطبقات الأدنى في السلم الاجتماعي، فخط الفقر العالمي يقدر بدولارين في اليوم، وإذا افترضنا أن سعر الدولار 18 جنيهًا، وهو السعر اليوم السبت 18 مارس، فإن الفرد بحاجة إلى حوالي 36 جنيها في اليوم، أي 1080 جنيهًا في الشهر للفرد الواحد، حتى يمكننا أن نقول إنه على خط الفقر.
 
ولما كان متوسط عدد الأسرة في مصر 5 أفراد، فإن خط الفقر يصبح 5400 جنيه في الشهر للعائلة، أي أن الأسرة المصرية التي كانت تحصل على 3-4 آلاف جنيه فى الشهر عام 2015 كانت تعد أسرة ميسورة الحال، أما الآن فقد أصبحت أسرة فقيرة.
 
هذا هو تأثير عامل واحد فقط، وهو تحرير سعر الصرف، على معدلات الفقر في ظل الانقلاب، وإذا أضفنا إلى ذلك رفع دعم الطاقة، بالإضافة إلى تطبيق قانون القيمة المضافة، سوف نجد أن المحصلة النهائية لكل هذه الإجراءات هو سحق الطبقة الوسطى وارتفاع معدلات الفقر في مصر بشكل ملحوظ، والسؤال الآن هل تشهد مصر «انتفاضة جياع» مرة أخرى؟

رابط دائم