لم يكن يتخيل كثيرون أن تقوم فى فرنسا انتفاضة تطالب بتخفيض سعر الوقود، ثم تتطور إلى المطالبة بتحسين أحوال المعيشة، وتمتد من باريس إلى مدن أخرى كبيرة -باعتبار أن الشعب الفرنسى واحد من سكان الشمال، بل على رأس قائمة الدول الأوروبية حضارة واستقرارًا. والحقيقة أن الواقع مختلف عما يصوره الإعلام، وباريس غير باقى فرنسا، وكما أن هناك أحياء ومزارات فرنسية تستقطب النسبة العظمى من سياحة العالم ومتحصلاتها، هناك فى المقابل أحياء من الصفيح، ونسبة لا يُستهان بها من الفقراء خصوصًا فى الطبقات المهاجرة، وهناك فوارق تمهد لاستعادة ثورة الفرنسيين الكبرى التى وقعت فى نهاية القرن الثامن عشر وغيرت وجه التاريخ.

إذًا ليس غريبًا أن تشتعل الثورة فى فرنسا، وربما تصاعدت وامتدت إلى جيران أوروبيين آخرين تعانى شعوبهم كما تعانى طبقات الشعب الفرنسى الفقيرة؛ مثل إيطاليا وإسبانيا والبرتغال واليونان، بل شعوب الوسط والغرب التى نظن أنها بمنأى عن هذه التقلبات. كما ليس غريبًا على الفرنسيين الانتفاض وهم من أيقظ أوروبا -بل العالم- من تخلفه السياسى ليشعل ثورة شاملة امتدت لعشر سنوات (1789-1799)، وألغت الملكية، وأسست الجمهورية، وهدمت الباستيل، وشرعنت لحكم علمانى ودستور وطنى لا زالت كثير من مواده تحكم فرنسا إلى اليوم..

ولا أتصور أن هذه الانتفاضة ستقف عنذ الفرنسيين؛ ليس لأن الفرنسيين خبراء فى تصدير ثوراتهم والدعاية لمذاهب التحرر التى يتبنونها، لكن لأن دول العالم كلها -من دون استثناء- فى حالة مخاض، وفى انتظار تغيير كبير، هذا التغيير سببته أوضاع كثيرة خاطئة ظلت عقودًا دون أن يطرأ عليها أى تعديل، على الرغم من التحولات الفظيعة على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وعلى الرغم من الثورات الهائلة فى التقنية والعلوم، وعلى الرغم من اختلاف الاحتياجات عما كانت عليه فى السابق. كل هذا يؤذن بوقوع انقلاب عالمى تصعد به دول وتنخفض أخرى، وتتبدل به المواقع، وتتغير النظريات، ويسود نظام جديد، ربما لا يكون دون طموح الشعوب، لكن لا شك أن الجماهير سيكون لها دور كبير فيه؛ إذ لم يعد المستتر عنها كبيرًا كما كان فى عهودها الماضية، وقد تحلّت -أى الشعوب- بقدر كبير من الوعى جعلها أميل إلى الإنسانية وأبعد عن النعرات القومية أو المذهبية..

لذا؛ فقد صرنا نسمع أخبارًا عن تهيؤ العالم لتفادى نتائج الانتفاضة الفرنسية التى أثرت -بطريقة أو أخرى- على حجم المصالح المتبادلة بين الدول، وعلى حركة التنقل والسفر، وفتحت الباب واسعًا لمزيد من دراسة العلاقة بين الحكام والشعوب، حتى فى أوروبا التى لا تسلم أيضًا من فساد انتخابى و«تربيطات» على مستوى الأحزاب وجماعات الضغط لتصعيد أشخاص بعينهم إلى سدة الحكم لتنفيذ «أجندات» عالمية متجاوزة حاجات المواطنين ورغباتهم.

وما لنا وانتفاضة الفرنسيين؟ سؤال قد يطرحه البعض مستبعدًا أدنى صلة بين ما وقع فى فرنسا وما يمكن أن يجرى فى منطقتنا المنكوبة فى الفترة المقبلة. وأسوق هنا واقعتين لهما مغزاهما؛ الأولى: قيام السلطات عندنا بجمع السترات الصفراء من التجار فى شارع الجمهورية وغيره من مناطق وسط البلد التى تعرض مثل هذه الملابس التى تدخل ضمن فئة «الأمن الصناعى»، والثانية: خطوات أمنية استباقية تمثلت فى اعتقال عشرات الإخوان على مستوى الجمهورية، وهذه وتلك تعنى أن النظام أصابه الهلع والارتباك بعد أول ساعة من الانتفاضة الفرنسية، وقد أوحى إلى إعلامييه بالطعن فيمن قاموا بهذه الانتفاضة، والتقليل من أهميتها حتى وصل الهجوم عليها ادعاء أن من قاموا بها هم الإخوان. وهذا سلوك إن دل على شىء إنما يدل على حالة الرعب التى تلتبس هذا النظام، خصوصًا أن أحداث ثورات الربيع العربى لا زالت ماثلة أمامه، وأن الشرارة التى بدأها الشعب التونسى فى 14 يناير 2011 سرعان ما امتدت إلى مصر فى أقل من أسبوعين (25 يناير) لتنتقل فى أقل من شهر إلى ليبيا (17 فبراير) لتطال اليمن وسوريا بعد ذلك..

لا زالت هذه الأحداث ماثلة أمامهم بوضوح، فضلاً عن أنهم فى موقف المريب، و«كاد المريب أن يقول خذونى» فلا شرعية سياسية، ولا نجاح يغنى الشعب عن الثورة، ولا استقرار سياسيًا أو أمنيًا تطمئن الجماهير إلى وضعها القائم، بل الأجواء كلها مهيأة للثورة، والشعب يئن تحت ضغوط الفقر والاستبداد، والناس فى أمسّ الحاجة لمن يدخل الباب على الطواغيت وهم فى إثره، والأمر لا يتوقف عند: هل الثورة عربية أم غربية؟ ليس هذا هو المهم، إنما المهم هو الأفكار التى يلتقى عندها الثوار، والظروف التى يعانونها، ولا خلاف أن لدينا أضعاف أضعاف ما يعانيه الفرنسيون، وما جرى فى باريس اليوم ستنقله رياح التغيير غدًا إلى القاهرة وباقى عواصم العرب القاحلة…

الأهم أن حكامنا (البررة) متوجسون أكثر من حكام فرنسا وجيرانها؛ لأنهم تابعون لهؤلاء الحكام، ويسألون الآن: ماذا لو ذهب هؤلاء الحكام؟ وماذا لو كانت هذه الانتفاضة قائمة على أفكار جديدة؟ يخافون أن تنتقل هذه الأفكار إلى المنطقة مثلما فعلت الشيوعية فأفسدت عليهم معايشهم وجعلتهم فى حرب ممتدة، خدامًا لأسيادهم الذين فى سدة الحكم فى أمريكا وأوروبا وتل أبيب.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم