منذ سبع سنوات، كان أحد أهداف الثورة المصريّة تعزيز حريّة التعبير، لكن هذا الإعلام عاد إلى حضن سلطة العسكر وانحاز إليها ضدّ الشعب، وفي الذكرى السابعة لثورة 25 يناير، عادت وسائل إعلام الانقلاب لتكون نسخةً موحّدة، تجمعه سياسة “التضليل الإعلامي”، فيما مصير من يخالف ذلك السجن.

في قضية سد النهضة، اتهمت الأذرع الإعلامية للسفيه قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي، ثورة 25 يناير بأنها المسئولة عن قرار إنشاء السد، رغم أن قرار إنشائه صدر في عهد المخلوع مبارك.

ووجد آخرون من الوقاحة ما يكفي لمطالبة المصريين بترشيد استهلاكهم من المياه، على اعتبار أن مصر ستشهد، لا محالة، نقصا هائلا في المياه؛ نتيجة السد الذي فشل السفيه السيسي في التعامل مع ملفه.

مذبحة الروضة

اعتبر خبراء ومتخصصون في الإعلام، أن وسائل الإعلام التي كانت نبراس نورٍ لثورة 25 يناير، وكانت حريته من أهم مكاسب الثورة، انتقل معظمها إلى معسكر الانقلاب والارتماء في حضن السلطة.

وقال أستاذ الإعلام السياسي بجامعة القاهرة الدكتور صفوت العالم: إنّ “الإعلام فشل في إدارة الأزمة التي تمر بها البلاد منذ قيام ثورة 25 يناير حتى اليوم؛ بسبب سياسة التطبيل التي لا تقوم ببناء بلد”.

ورأى أن الشعب فقد الثقة كثيرًا فيما يقدمه الإعلام، وسياسة “تلميع الانقلاب” في وسائله المختلفة، والدليل على ذلك عزوف الشعب عن التوجه إلى صناديق الاقتراع خلال الانتخابات البرلمانية الماضية، حيث لم يخرج سوى 5% فقط من المواطنين.

وقال العالم: إن الشعب المصري كان وما زال يعي حقيقة إعلامه، وهذا الأمر دفع الكثير من جموع الشعب إلى التوجه إلى الفضائيات العربية والأجنبية؛ لأنهم لا يثقون بإعلامهم المتهالك والمنهار والفقير في معلوماته ومادته الشحيحة التي تعيدنا بالذاكرة إلى إعلام الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.

وأشار إلى أن الإعلام المصري نجح بامتياز في نشر ثقافة الكراهية بين طبقات الشعب، وتحويل الظالم إلى مظلوم والمظلوم إلى ظالم، واتباع حرب الشائعات بهدف تغييب الشعب عن الحقيقة المرة التي تتخبط بها السياسة المصرية حاليًا.

موضحًا أن الإعلام صنع مصائب كبرى لمصر، التي ما زالت مستمرة حتى اليوم في تضخيم الأعمال التي تقوم بها الحكومة التي لا يلمسها المواطن العادي على أرض الواقع.

أين الإخوان؟

بعد مذبحة الروضة لم يختلف الأمر كثيرا، عبر تحميل أهالي القرية المسئولية عن مقتلهم، ومطالبتهم بالأخذ بالثأر، وكأنهم سيقومون بعمل الجيش والشرطة.

وبعد اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لـ”إسرائيل”، تنوعت الاتهامات هذه المرة لتشمل جهات خارجية معتادة، مثل قطر وتركيا وداعش والقاعدة والإخوان.

وتساءل مصطفى بكري: “أين الإخوان الإرهابيون مما يحدث في القدس؟”، ويبدو أنه لم يعرف بعد أنهم في السجون والمعتقلات، وأن السيسي أصبح هو الحاكم الآن.

السيسي فاشل

تحميل ثورة 25 يناير وأبطالها إثم فشل السفيه قائد الانقلاب هو الأسلوب المفضل للعسكر في كافة القضايا الداخلية والخارجية؛ فالسفيه السيسي نفسه كان قد حمَّل جماعة الإخوان المسلمين مسئولية انهيار سعر الجنيه أمام الدولار الأمريكي، وليس قراره بتعويم الجنيه.

كما قامت أجهزته القضائية باتهام رجل الأعمال حسن مالك بأنه المسئول عن الأزمة، وخرجت إحدى صحف الانقلاب لتتحدث عن عثور قوات الأمن على نصف مليار دولار في شقته، وألقت الشرطة القبض على مواطنين قالت إنهم كونوا خلية لنشر “المناخ التشاؤمي” في البلاد، وأنهم السبب وراء أزمات الدولار والبنزين، والتعيينات الوظيفية وتأجيج المطالب الفئوية.

جماعة الإخوان المسلمين حاضرة دائما كشماعة في كل انتكاسات وفشل الانقلاب، ليتم تحميلها المسئولية، حتى عن أزمة الدولار وغرق الإسكندرية في الشتاء، إضافة إلى شخصيات أخرى تختلف حسب الموقف.

ويتعمَّد السفيه قائد الانقلاب السيسي القول إنه ليس رئيس مصر بل “ابنها”، على اعتبار أنه بذلك يشرك الآخرين معه في مسئولية الفشل ولا يتحملها وحده، وهو ما عبر عنه قائلا: “مش تيجوا تتكلموا وتسيبوني وتمشوا”.

وتأتي حملات التبرّع الدورية التي يشنها الانقلاب والإعلام الموالي له لتصب في الاتجاه نفسه، فمن صندوق “تحيا مصر”، إلى حملة “صبّح على مصر بجنيه”، وحملات التبرع بـ”الفكة”، يستمر لوم المواطن المصري، وإرهاقه بالطلبات، وكأن ذلك سيحل مشكلة الفشل الاقتصادي المستمر، في وقت وافقت فيه حكومة الانقلاب على تخفيض سعر الغاز لمصانع الحديد والصلب من سبعة دولارات إلى 4.5 دولار، فيما يتقاضى مسئولون في الانقلاب رواتب تقدر بملايين الجنيهات.

اختراق الأمن القومي

وتنصل السفيه السيسي من مسئولية حماية حدود مصر، مبررا ذلك بأن حماية الحدود تتطلب جهدا ضخما، ولا يمكن التحكم فيها بالكامل، وهي نفس الفكرة التي رددها “الداعية” خالد الجندي؛ عندما قال إن “رئيس الدولة” لا يجب عليه حماية أرض البلاد، بل الشعب هو من يجب عليه فعل ذلك.

وحمَّلت أذرع العسكر السياسية والإعلامية طوال سنوات الانقلاب، الإخوان والشعب، المسئولية عن كل الإخفاقات، عدا السيسي، وفي انخفاض سعر الجنيه وصف رئيس برلمان الدم شركات الصرافة بأنها “سرطان في جسم الاقتصاد المصري”، مطالبا بإلغائها، كما اتهم الإعلام التجار بالجشع، وبأنهم السبب وراء ارتفاع أسعار السلع.

وعندما حاول رئيس تحرير صحيفة خاصة أن يبدو “ثوريا”، اتهم المخلوع مبارك بأنه سبب الأزمة الاقتصادية الحالية، وأن السيسي بريء منها، وأتى رئيس الوزراء السابق بفكرة جديدة خارج الصندوق، وقرر تحميل “ربة المنزل” المسئولية، عندما طالبها بحسن إدارة موارد منزلها؛ لأن البلاد تمر بظروف اقتصادية صعبة.

رابط دائم