أثارت موافقة برلمان العسكر يوم الاثنين الماضي 16 أبريل 2018، بصفة نهائية على تعديل مقدم من الحكومة على أحكام القانون رقم (100) لسنة 1987، بشأن تحديد مرتبات نائب رئيس الجمهورية، ورئيسي مجلسي الشعب والشورى، ورئيس مجلس الوزراء، ونوابه، والوزراء، والذي يهدف إلى رفع رواتبهم ومكافآتهم المقررة إلى 42 ألف جنيه شهرياً، بما يعادل الحد الأقصى للأجور المحدد دستورياً موجات غضب عارمة بين المواطنين ومواقع السوشيال ميديا.

رئيس البرلمان ادعى وقتها أن التعديل لا يعني زيادة في المرتبات الحالية، بل تقنيناً لوضع قائم، مطالباً النواب بعدم إثارة الأحاديث في الإعلام حول التعديل، بدعوى أن رئيس الوزراء، شريف إسماعيل، قال في آخر تعديل وزاري على حكومته إنه “واجه اعتذارات كثيرة، لأن المنصب الوزاري بات غير جاذب”.

أنت مين؟!

كان الجنرال عبدالفتاح السيسي أصيب بحالة غضب شديد؛ عندما طالبه أستاذ جامعي وعضو في برلمانه برفع الحد الأدنى للأجور، وتأجيل رفع أسعار الوقود في ظل الأوضاع الصعبة التي تواجه المواطنين ، وشخط فيه الجنرال منفعلا ، وقال العبارة المشهورة: “أنت مين؟!.. انت دارس الكلام ده قبل ما تقوله” ، وأعطاه درسا في أهمية مراعاة ظروف البلد وضيق ذات اليد!.

انعدام الإحساس بالمسئولية

القرار دفع المحلل السياسي جمال سلطان إلى اتهام الحكومة بـ «الضلال السياسي» وانعدام المسئولية ؛ لأن القرار يأتي في سياق حالة من الكآبة العامة في البلاد نظرا لسوء الأحوال الاقتصادية ، وتردي الأحوال المعيشية لملايين المصريين والارتفاع المتوالي للأسعار وضعف الرواتب ، وتآكل الطبقة الوسطى ودخول ملايين المواطنين منها في نطاق حزام الفقر والعوز والمعاناة.

كما جاء قرار البرلمان برفع رواتب الوزراء ، ورفع معاشاتهم لتكون 80% من الأجر الجديد الذي حدده ، أتى بعد أسبوع واحد من صدور حكم القضاء الإداري بإنصاف ملايين المصريين الفقراء برفع معاشاتهم المستحقة مائة جنيه، ولكن الحكومة استكثرته على الفقراء ، فقامت بالطعن على حكم المحكمة مطالبة بإلغائه.

مسرحية مفتعلة

لكن هناك سيناريو آخر للحكاية؛ والأرجح أن الموضوع برمته عبارة عن “مسرحية مفتعلة” تستهدف إثارة غضب المواطنين لأقصى درجة، ثم يتدخل الجنرال في الوقت المحدد ويعلن رفضه للقانون وعدم التصديق عليه.

يتزامن مع هذا تنظيم حملة إعلامية ضخمة في الفضائيات والصحف واللجان الإلكترونية للثرثرة والترويج عن الزعيم الإنسان الذي رفض زيادة مرتبات الوزراء من أجل الفقراء وأنه لا بد للجميع أن يتحمل فاتورة “الإصلاح الاقتصادي” وباقي الاسطوانة المشروخة المعروفة مسبقا.

يعزز من هذا التوجه، حالة الانتقاد الشديد التي تواجه قرار البرلمان بهذه الزيادات، في أوساط معسكر الانقلاب ذاته؛ وتدور زوايا الانتقاد حول عدم مناسبة التوقيت الذي صدر فيه القرار ولا تتعلق اعتراضاتهم على جوهر الزيادة ولا مضمون القرار فهم متفقون معه تماما؛ لكنهم يرفضون التوقيت الذي يأتي في ظل سياق شديد الصعوبة ومعاناة كبيرة تواجه المواطنين في ظل الارتفاع الجنوني في أسعار السلع والخدمات وتآكل قيمة الأجور والمرتبات منذ قرار التعويم في 3 نوفمبر 2016م .

وربما يتزامن مع ذلك أيضا تصعيد حملة تعديل الدستور بما يسمح للجنرال بالحكم مدى الحياة؛ فقط هم ينتظرون حتى تسخن الأمور ويتزايد معدل الغضب فيعلن الجنرال عدم التصديق على الزيادات التي وافق عليها برلمانه لتجميل وجهه القبيح ومحاولة استرداد جزء من شعبيته المتآكلة.

يقول سليمان جودة الكاتب السيساوي القح في مقاله المنشور اليوم بالمصري اليوم بعنوان “بعد إذن الرئيس”: « إن مشروع القانون، الذى مرّره مجلس النواب سريعاً، لا يزال فى انتظار توقيع رئيس الدولة، ولا يزال رئيس الدولة يملك أن يضع إمضاءه عليه، فيجعل منه قانوناً نافذاً.. أو لا يضع الإمضاء لأمر يراه، فيعيد مشروع القانون إلى المربع الأول!. وإذا كان مطلوباً من كل مشروع قانون أن يستوفى الموضوع والشكل والتوقيت، باعتبارها عناصر ثلاثة لابد منها، فمشروع قانون رواتب الوزراء يستوفى الشكل.. وقد يستوفى الموضوع.. قد.. ولكنه أبداً لا يستوفى التوقيت.. وبما أنه كذلك، فإنى أستأذن الرئيس فى أن يعيده إلى المرسل، وقد وضع عليه إمضاءً يقول: يُعاد إلى المرسل لسوء التوقيت وعدم استيفاء الموضوع!».

بل إن محمد أمين في نفس الصحيفة يقول «ترددت أنباء قوية خلال الساعات الماضية أن الرئيس استجاب لمطالبات شعبية ورفض التصديق على قانون زيادة مرتبات الوزراء.. وتعامل الرأى العام مع المطالبات على أنها حقيقة وأن الرئيس استجاب لها.. وهنأ الناس بعضهم بعضاً، وأحسست فى لحظة أننى آخر من يعلم.. وشرح كثيرون أن القانون لا يعد سارياً ما لم يُنشر فى الجريدة الرسمية، وبالتالى فالأمر فى يد الرئيس!».

رابط دائم