على عكس التاريخ الكنسي تماما، لم يعرف الإسلام ما يسمى بالحكم الثيوقراطي الديني، ويقصد به الحاكم المختار من الله والمتحدث باسم الله؛ ففي الفكر الإسلامي والتجربة الإسلامية لا توجد “كنيسة” كما لا توجد مؤسسة دينية كهنوتية، وبالتالي فكرة العلمانية لم تكن مطروحة في السياق الحضاري الإسلامي، لأسباب عديدة.

السبب الأول، أن وجه الخطر فيها غير مطروح؛ حيث كان الفقهاء والعلماء لهم حريتهم وفضاؤهم الواسع المباشر مع الناس، ولهم موقعهم المتباعد عن السلطة.

الأمر الثاني، أنه لم يكن هناك خلاف بالأساس بين الحكام والمحكومين حول الاحتكام إلى الشريعة التي لم تصادر حقا ولم تضيق على مخالف، وفتحت الأبواب مشرعة أمام كل العقائد والأديان لتمارس حريتها الدينية على نطاق واسع؛ اتساقا مع قوله تعالي {لا إكراه في الدين}، الأمر الذي سمح بصناعة أعظم صورة من صور التعايش المشترك بين أصحاب الأديان في ظل نظم الحكم المختلفة بعد الرسول- صلى الله عليه وسلم- والخلفاء الراشدين من بعده، ثم السلاطين والملوك من بعدهم رغم ما عليهم من مآخذ.

الأمر الثالث، أن الإسلام في سياقه الاعتقادي اعتمد مبدأ عدم الإكراه، وفي سياقه الأخلاقي اعتمد المبدأ الإنساني الذي لا خلاف عليه، وفي سياقه الدنيوي اعتمد مبدأ العلم والتجربة {قل سيروا في الأرض فانظروا}، وفي سياقه التشريعي اعتمد مبدأ المصلحة مع تأكيد المبادئ الكلية التي تحمي المجتمع من الانزلاق، مثل تأكيد ضرورة العدالة وإنصاف المظلومين والشورى في إقامة نظم الحكم واختيار الخلفاء والحكام، فمعلوم في الإسلام أن من أمّ قومًا وهم له كارهون لا ترفع صلاته فوق رأسه شبرا، هذا في باب الصلاة فكيف في باب السياسة؟ فهل تقبل أعمال الحاكم الذي فرض نفسه على الناس بقوة البطش والبلطجة؟! فالأصل في الإسلام أن يتم اختيار الحاكم برضا المحكومين وقبولهم به دون وصاية أو إكراه، كما حدث تماما في بيعة أبي بكر الصديق بعد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والخلفاء الراشدين من بعده.

العسكر والكهنوت

ظل الحكم في الإسلام مدنيا طوال تاريخه، يقوم على الاحتكام للشريعة دون خلاف، والأصل أن يتم اختيار الحكام طوعا من قبل المحكومين، لكن الصراعات “السياسية” على الحكم أفرزت صورة من الحكم العضود والوراثي بما يخالف المبادئ التي جاء بها الإسلام. فلا الحاكم يستطيع أن يزعم أنه مبعوث العناية الإلهية المرسل من الله، ولا يستطيع أن يزعم أحد أن للحاكم قداسة سوى ما كان من وجوب السمع والطاعة، ما دام جاء إلى الحكم بطريقة صحيحة، ولم يخالف ما جاء به الله والرسول، اتساقا مع قوله تعالى {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم}. فطاعة الحكام واجبة ما داموا مطيعين لله ورسوله، لم ينتزعوا الحكم كرها، ولم يرتكبوا في حق الرعية ظلما، ولم يمارسوا على الناس استبدادا.

ومع ظهور الدولة القومية الحديثة، وسيطرة المؤسسة العسكرية على الحكم في معظم البلاد العربية والإسلامية، «أُنهيت هذه الاستقلالية للعلماء، وأُنتج في دول العالم الثالث المسلمة ظاهرة المؤسسة الدينية وما يشبه الكهنوت الديني الذي يخضع لسيطرة السلطة، وتستخدمه السلطة لتعزيز هيمنتها وقهرها للناس، وهو الأمر الذي يستوجب اجتهادا جديدا وشجاعا في الفكر الإسلامي، لرفع الضرر عن الناس، وتحريرهم من هذا “الكهنوت” الديني المبتدع، والذي يعوق تطلعات الشعوب للحرية والكرامة والنهوض» بحسب الكاتب جمال سلطان.

لعبة الدين والدولة تم توظيفها في العالم الثالث بكثافة من قبل النظم السياسية المختلفة، وكنت ترى أكثر النظم ديكتاتورية وقمعا أكثرهم حرصا على إظهار الاحترام لمشاعر الدين ورجال الدين، بل كثيرا ما تجد النظم السياسية في العالم الثالث تلجأ إلى رجال الدين ليكونوا أحد أدوات القمع المعنوي والروحي التي يستخدمها النظام السياسي لقهر أي دعوات معارضة أو استعداء العوام على أصحابها، ولذلك تحرص النظم السياسية في العالم الثالث على أن تكون المساجد والمؤسسات الدينية تحت هيمنتها وتوجيهها وسيطرتها الكاملة والحصرية؛ لأنها لا تقل خطورة وأهمية عن وسائل الإعلام أو حتى عن أجهزة الأمن والسيطرة.

الكنيسة والحكم الثيوقراطي

على العكس من ذلك، فإن الكنيسة في العصور الوسطى، بسطت نفوذها على الحكام والمحكومين، وباتت هي الحاكم الفعلي للشعوب الأوروبية، تختار الحكام، وتعزلهم إن شاءت، مارست الدسائس والفتن وبسطت نفوذها على جميع حكام أوروبا، فمن رضيت عليه باركته وباركت حكمه، ومن تعرض لها بالنقض أو خرج على رؤيتها وتفسيرها للدين والدنيا والعلوم أخرجته من رحمتها باعتبارها الوسيط بين الإله والبشر، وألبت عليه حلفاءها ورعاياها.

ولم تقف الكنيسة عند هذا الحد، بل تدخلت بصورة سافرة في الشأن العلمي، وصادرت حق الناس في المعرفة والعلوم، وحكمت على كل من خالف آراء الكنيسة في أمور العلم بأنه كافر يمارس “الهرطقة”، ويتعيّن التنكيل به الذي وصل حد الإعدام والحرق والصلب.

لاحقت الكنيسة العالم “بولستون” لأنه اكتشف دواء للتطعيم ضد الطاعون والجدري والكوليرا، وحكمت الكنيسة على العالم “جيرانوبرونو” بالإعدام حرقا، وربط لسانه وتجريده من ملابسه وتقييد يديه ورجليه بقضيب من حديد؛ لأنه خالف رأي الكنيسة وأثبت بالعلم أن الأرض ليست مركز الكون، بل تدور حول نفسها وحول الشمس، ثم جيء به إلى ميدان الزهور وسط روما، ثم بدأ منفذو الإعدامات بحرقه حيًا وسط حشود كثيرة من المؤمنين بالكنيسة الذين كانوا يهتفون بالموت للكفار مثل (برونو).

هذه الممارسات الشاذة من الكنيسة وعقد محاكم التفتيش الجنونية التي حاكمت الناس على معتقداتهم، دفعت الغرب دفعا إلى التخلص منها، ومن بطشها وظلمها وجمودها وحربها العبثية ضد العلم والعلماء، فظهرت العلمانية في البيئة الغربية نتيجة لهذه الأوضاع والظروف الخاصة.

رابط دائم