ليس مستبعدًا على الإطلاق أن يكون توقيت إطلاق حملة “سيناء 2018” العسكرية من جانب جنرال 30 يونيو عبد الفتاح السيسي قبل مسرحية الرئاسة بأقل من شهر مقصودًا في حد ذاته، لتحقيق هدفين: الأول أن تكون ذريعة لتأجيل المسرحية بحجة تطوير عمليات الهجوم على مواقع تنظيم داعش وولاية سيناء، والهدف الثاني هو القيام بتشديد الحصار على قطاع غزة في ظل تواتر الأنباء حول هجوم عسكري إسرائيلي وشيك على القطاع.

فالحملة العسكرية الشاملة التي أطلقها جنرال 30 يونيو يوم الجمعة الماضي 9 فبراير 2018م ، تضم قوات كبيرة من الجيش من القوات البرية والجوية والبحرية، إضافة إلى المخابرات الحربية والعامة، يضاف إلى ذلك الانتشار الموسع لعناصر الشرطة في كل ميادين المحافظات والظهير الصحراوي على الحدود الغربية مع ليبيا.

هذه القوات يفترض أنها سوف تنتشر لتأمين اللجان والعملية الانتخابية المرتقبة، والزج بها في عملية عسكرية موسعة وبهذه الضحامة وبهذا العدد الضخم من القوات والمعدات والأجهزة والأسلحة المتنوعة، لا يعني سوى أن السيسي لا يضع اعتبارا للمسرحية المرتقبة.

«سيناء 2018» يمكن الجزم أنها حرب استعراضية يستهدف بها السيسي ترميم شعبيته المتآكلة، وربما يلجأ إلى افتعال بعض الحوادث والتفجيرات لتكون مبررا لاستمرار الحملة التي توقعت الأهرام أن تستمر ثلاثة أسابيع، بينما يرى الكاتب المقرب من العسكر مكرم محمد أحمد أنها ربما تمتد إلى 3 شهور!.

إذا صح هذا الكلام، فإن هذه الحرب ما افتعلها السيسي في هذا التوقيت وقبل مسرحية الرئاسة بأقل من شهر إلا لتكون ذريعة لإلغاء المسرحية، بعد التقارير المخابراتية على مكتب السيسي التي تؤكد عزوف الشعب عن المشاركة فيها.

بل لا أبالغ إن قلت إن سيناريو هذه الحرب تم وضعه من أجل تحقيق عدد من الأهداف الخفية، تحت لافتة القضاء على تنظيم داعش أو ولاية سيناء. فماذا لو تم افتعال تفجير أو قتل عدد من الجنود وتصوير الأمر على أن داعش هو من قام بذلك؟، لا شك أن السيسي سيقوم على الفور بإطلاق تهديدات جديدة، والأمر بتطوير الهجوم لمواجهة هذا الشبح المجنون، ما يعني عمليا تأجيل مسرحية الرئاسة إلى أجل غير مسمى.

لماذا المبالغة والاستخفاف بالشعب؟

الراصد للتناول الإعلامي للعملية العسكرية الشاملة على فضائيات وصحف ومواقع العسكر، يدرك التعمد في المبالغة والتضخيم، وكأن الجيش في معركة مع العدو الصهيوني، بل إن أحمد موسى، أحد أبواق العسكر، وصف هذه الحرب الوهمية بأنها أهم من حرب أكتوبر!.

المؤسسة العسكرية أطلقت من قبل عمليات حق الشهيد الموسعة بمراحلها الأربع، في سبتمبر 2015م، وكان السيسي قبلها في 31 يناير 2015، قد كلَّف الفريق أسامة عسكر بقيادة قوات شرق القناة من الجيشين الثاني والثالث من أجل القضاء على المسلحين؛ فلماذا فشلت هذه الحملات المتواصلة في القضاء على عدة مئات من المسلحين، لا يزيدون على ألف مسلح بحسب تقديرات المؤسسات الحكومية نفسها؟!.

خرجت الفضائيات تروج لمقتل 16 مصريا واعتقال العشرات، وقصف 66 موقعا للتنظيمات المسلحة، ولا ندري من جانبنا هل هم مسلحون فعلا أم أبرياء لا ناقة لهم ولا جمل، ساقهم حظهم العاثر أن يقعوا في طريق تمشيط القوات.

ولا ندري، كذلك، هل لداعش أو تنظيم ولاية سيناء مواقع يمكن قصفها، فهم يقومون بحرب عصابات، ما يعني أنه ليس لهم مكان ثابت يمكن استهدافه، بل هم أشباح متنقلة تختفي عند البحث عنها، فتذهب القوات فلا تجد شيئا، ثم إذا تراجع الحماس وفترت الهمة، ظهروا فجأة في هجمات قاسية وعنيفة، وأوقعوا القتلى والجرحى في صفوف القوات النظامية؛ فلماذا يستخف بنا إعلام العسكر إلى هذا الحد؟!.

لماذا يفشل الجيش أمام مئات المسلحين؟

المتحدث باسم رئاسة الانقلاب السفير بسام راضي، قال في بيان مقتضب أمس الأحد، إن الحرب ضد الإرهاب مستمرة في سيناء منذ فترة، ولكن بشكل متقدم ومكثف حاليًا. وأضاف راضي أن الجولة الحالية من الحرب ضد الإرهاب تُسمى «العملية الشاملة سيناء 2018»، مضيفًا أنها تأتي استكمالًا وامتدادًا للسلسلة من الجولات السابقة حملت اسم «حق الشهيد».

هذه التصريحات التي حاول بها متحدث السيسي طمأنة المواطنين، جاءت بنتائج عكسية، فالمسألة على هذا النحو محرجة جدا، وشاعت أجواء من الشكوك وعدم الثقة، ذلك أن القوات المسلحة مصنفة العاشرة عالميا ودائما ما يتم التباهي بذلك في الفضائيات والصحف، ولا يمكن تصور أن عدة مئات من المسلحين، أيًّا كان تدريبهم أو تسليحهم أو قدرتهم على المراوغة، يمكن أن يستغرقوا كل هذا الزمن من أجل دحرهم وإنهاء خطرهم، أو أن المؤسسة العسكرية لم تتمكن من هزيمتهم على مدار السنوات الخمس الماضية!.

المثير في الأمر أنه تم القضاء على تنظيم داعش في سوريا والعراق، كما تمكن عدة مئات من المسلحين التابعين لمدينة مصراتة الليبية المسماه بدرع ليبيا، من القضاء على التنظيم عندما استولى على مدينة سرت وضواحيها وسط البلاد، وهي مساحة تمتد إلى أكثر من 200 كليو متر، وأعلن عن “عاصمته” في شمال إفريقيا، واستقطب قيادات من أنحاء مختلفة، لكن كتائب مصراتة تمكنت من سحقه، وهي لا تملك قوات جوية ولا مدرعات كافية ولا أسلحة نوعية، وخاضت معركة عنيفة استمرت حوالي خمسة أشهر، انتهت بسحق تنظيم داعش وإنهاء خطره، وتطهير مدينة سرت وضواحيها بالكامل منه، وفر الباقون من مسلحي التنظيم إلى عمق الصحراء في الشتات، وعادت الحياة إلى طبيعتها في المدينة، والناس الذين خرجوا خوفا من المعارك عادوا إلى ديارهم وأعمالهم ومزارعهم.

كما نجح ثوار درنة كذلك في شرق ليبيا من طرد تنظيم داعش، فلماذا يستغرق السيسي كل هذه السنوات من أجل دحر مئات المسلحين؟ أم أن داعش «عدو وهمي» يتوجب بقاؤه حتى يتمكن السيسي من تمرير عملياته القذرة وصفقاته المشبوهة، وتسويق شرعيته المزيفة ولو على حساب الشعب والوطن؟!.

رابط دائم