انتهت ورقة بحثية إلى أنّ تبنّي المؤسسة العسكرية للانقلاب على المسار الديمقراطي وسياسات كبار الجنرالات، وعلى رأسهم عبد الفتاح السيسي، أفضى إلى تآكل شعبية الجيش إلى مستويات خطيرة، ووسعت الفجوة بين الشعب والجيش، حيث بات أغلبية المصريين يرون في المؤسسة العسكرية عقبة في طريق تحقيق الديمقراطية وتقدم البلاد.

واستندت الورقة البحثية التي جاءت بعنوان «شعبية السيسي المتآكلة بين فرص الثورة وتحديات الواقع»، والمنشورة على صفحة “الشارع السياسي” على موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك”، على استطلاع الرأي الأخير الذي أجراه مركز “بيو” الأمريكي، في الفترة من 10 إلى 29 أبريل 2014م، وتم نشر نتائجه في 22 مايو من نفس العام، والذي أكد الانقسام الحاد داخل المجتمع المصري؛ على خلفية الانقلاب العسكري الذي نفذه الجيش في 03 يوليو 2013م.

وكانت نتائج الاستطلاع الذي عدّته الورقة البحثية “الوحيد الذي يمكن الوثوق في نتائجه”، قد كشفت عن تآكل حاد في شعبية الجيش؛ حيث ذكر 56% وقتها أن للجيش تأثيرا جيدا في البلاد، بينما اعتبر 45% تأثيره سلبيا، ولتأكيد هذا التراجع كان استطلاع المركز قبيل الانقلاب بأسابيع كشف عن رضا 72% عن تأثير الجيش بينما رآه 24% سلبيا، وكان استطلاع المركز عقب ثورة 25 يناير قد كشف عن أن 88% من المصريين عبروا عن رضاهم عن التأثير الإيجابي للجيش مقابل 11% رأوه سلبيا، ما يعني أن المؤسسة العسكرية تراجعت شعبيتها في 2014 من 88% في 2011 إلى 56% فقط، ما يؤكد التراجع الحاد في شعبيتها.

كما كشفت نتائج الاستطلاع وقتها عن دعم 43% من المصريين لجماعة الإخوان المسلمين والرئيس محمد مرسي، بينما كان الرئيس مرسي حظي في استطلاع المركز قبل الانقلاب بأسابيع قليلة على 53%، ما يؤكد أن الانقلاب على مرسي تم وسط إيمان ودعم أغلبية المصريين للرئيس، بينما حظي السيسي في 2014 بدعم 54% فقط، وهو ما يخالف ما كانت تروجه الآلة الإعلامية للنظام بأن جميع الشعب يدعم السيسي ويدعم الإطاحة بحكم الإخوان، بينما عبر 72% من المصريين عن عدم رضاهم في 2014 عن الوجهة التي تسير نحوها البلاد.

وامتد فقدان الثقة بين المصريين إلى مؤسسة القضاء، حيث رأى 58% من المصريين أن للقضاء تأثيرا سلبيا على البلاد، بينما رأى 41% العكس، وهي نتائج عكس ما جاء في استطلاع المركز قبل ذلك بعام، حيث عبّر 58% عن ثقتهم في مؤسسة القضاء، بينما عبّر 41% عن تصورات سلبية عنه.

ماذا عن شعبية السيسي اليوم؟

وبحسب الورقة البحثية، فإن استطلاع الرأي الذي أجراه مركز “بيو” كان قبل رفع أسعار الوقود  بنسبة 500% على مدار 4 سنوات، كما كان قبل قرارات تعويم الجنيه، والتي أفضت إلى تآكل قيمة العملة المحلية ليرتفع سعر صرف الدولار من 8 جنيهات قبيل التعويم إلى 18 جنيها بعده، وما أدّاه ذلك إلى موجات متتابعة من الغلاء الفاحش الذي طال جميع السلع والخدمات؛ فارتفعت أسعار المياه والكهرباء وتعريفة الركوب وتذاكر المترو وأكثر من 27 خدمة حكومية بنسبة تصل إلى 500% عما كانت عليه قبل عامين فقط!.

كما كانت نتائج هذا الاستطلاع قبل أن يتوسع النظام في الديون، حتى وصل حجم الديون الداخلية من 1,4 تريليون إلى 3,4 تريليون جنيه، والخارجية من 44 مليار دولار إلى 88.2 مليار جنيه بنهاية مارس الماضي 2018م. أي أن السيسي وحده رفع حجم الديون من 1,7 تريليون إلى حوالي 5 تريليونات جنيه مرة واحدة في أقل من 4 سنوات!، وكذلك قبل أن يتنازل السيسي ونظامه وبتواطؤ من المؤسسة العسكرية أو صمتها على أقل تقدير عن جزيرتي “تيران وصنافير” المصريتين للجانب السعودي، في إطار صفقة ترسيم الحدود البحرية بين الجانبين في منتصف أبريل 2016م، ثم إهداره لحكم الإدارية العليا البات والنهائي بمصرية الجزيرتين، تم التنكيل بكل من اعترض على تفريطه في السيادة المصرية والتراب الوطني، ثم التنكيل بالقاضي نفسه الذي أصدر هذا الحكم التاريخي وهو المستشار يحيى الدكروري، وعدم تعيينه رئيسًا لمجلس الدولة رغم أحقيته في ذلك.

وكان هذا الاستطلاع قبل أن تتضح صورة عسكرة الدولة كما هي عليه اليوم في 2018م، وقد هيمنت المؤسسة العسكرية على مفاصل الاقتصاد وهددت مصالح القطاع الخاص بصورة مخيفة؛ كما أن نظام السيسي العسكري أمّم الفضاء السياسي والإعلامي وكمّم الأفواه، وقتل الشباب، واعتقل المعارضين، وصادر الحريات، وأهدر جميع مكتسبات ثورة 25 يناير، وعادت مصر عسكرية كما كانت بل أكثر وحشية وبشاعة مما كانت عليه أيام الديكتاتور حسني مبارك.

طريقان لإسقاط النظام

تعزو الورقة البحثية إلى وكالة “دويتشه فيله” الألمانية توقعاتها بثورة مقبلة، وأن مصر تحولت منذ مدة إلى دولة بوليسية. بيد أن الوضع الصعب للاقتصاد وحقوق الإنسان وتراجع قطاع السياحة، واعتماد البلاد على أموال الخليج، بالإضافة إلى التضامن الأخير بين الإسلاميين واليساريين والليبراليين، من شأنها أن تترجم حالات الاستياء المتراكمة عاجلا أم آجلا إلى احتجاجات واسعة: الانتفاضة المقبلة إنما هي مسألة وقت فقط».

نفس الأمر توقعته صحيفة “الجارديان” البريطانية، في أبريل 2018م، بعد مسرحية الرئاسة الماضية، حيث اعتبرت افتتاحية الصحيفة فوز السيسي بفترة ولاية ثانية تدميرا لما تبقى من الديمقراطية، وأن السيسي الذي يرفع شعار “الاستقرار” لا يدفع مصر إلا نحو الأسوأ؛ وأن سوء الإدارة الاقتصادية والفساد والإذعان لشروط صندوق النقد بتخفيض الدعم وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب وسوء التعليم هي ضمانات فعلية لاستمرار الفوضى مستقبلا، وأنه ـــ بحسب الجارديان ـــ عندما يضاف إلى هذا المزيج ولع «السيسي» بعمليات الإعدام الجماعي، وعمليات الاعتقال، والاعتداءات الجارفة على الحريات المدنية، فلا عجب أن يتوقع المحللون أن تتجه مصر إلى ثورة أخرى.

بل إن مركز “ستراتفور” البحثي يذهب لما هو أبعد من ذلك، بتأكيد على أن «ولع «السيسي» بالقوة لا بد أن يتسبب في زواله عاجلا أم آجلا. ومع كل يوم يبقاه في منصبه فإنه يعطي شعبه سببًا جديدًا للاعتقاد بأن التمرد هو السبيل الوحيد للتغيير السياسي».

وتوضح الورقة البحثية أن النظام لن يسقط إلا بطريقين: الأول ثورة شعبية عارمة ربما تؤدي إلى فوضى كبيرة تخرج عن السيطرة لسنوات، والطريق الثاني أن يتدارك النظام نفسه خطورة استمرار الأوضاع الحالية فتقوم بعض مؤسساته ـــ قبل فوات الأوان ـــ بإصلاح الأمور وإعادة ترتيب معادلة الحكم، بما يفضي إلى فتح المجال العام ورفع المظالم ومشاركة الجميع في نظام سياسي دون إقصاء أو عنصرية، وإقامة عدالة اجتماعية حقيقية تحاكم المتورطين في الدماء منذ 25 يناير حتى اليوم.

وتبقى المشكلة في أي الأمرين يحدث أولا، هل تندلع الثورة الشعبية أولا أم تتحرك مؤسسات في النظام لتدارك الأخطاء ووقف هذا المسار العبثي الذي يمضي فيه الجنرال نحو خراب البلاد، مزهوا بغرور يعميه عن إدراك الحقائق والصورة الكاملة للمشهد البائس؟.

تحت التراب رماد

تشير الورقة البحثية إلى أن النظام رغم تشديد قبضته على مؤسسات الدولة بأنماط مختلفة من السيطرة، وسن تشريعات مشبوهة لتخويف الناس والشباب، والإلحاح على أن سقوطه يعني سقوط الدولة، إلا أنه يخشى بالفعل من اندلاع ثورة جارفة، وفي سبيل ذلك يتخذ قرارات وإجراءات للحيلولة دون اندلاع شرارة الثورة. لكن أغلب مظاهر سيطرة النظام بوسائل لا ترجع لعوامل مستمدة من قوة ذاتية كمشروعية النظام والدعم الشعبي له، بقدر ما تعتمد على عوامل غير ذاتية تتعلق بالقمع والدعم الخارجي؛ وهي عوامل يمكن أن تتغير بحسب الظروف والأحداث والمصالح كما حدث مع مبارك تماما.

وأمام تعاظم مستويات الغضب الشعبي واتساع نطاق الرفض للنظام لتخرج من إطار المعارضة السياسية إلى دائرة المعارضة الشعبية؛ على خلفية الغلاء الفاحش والفقر المدقع. ومع استمرار الممارسات القمعية وتأميم الفضاءين السياسي والإعلامي، والضغط بشدة على المواطنين سياسيا واقتصاديا، ربما تفضي إلى انفجار مفاجئ يخرج عن السيطرة ولا يتوقع أحد صداه أو مداه، وإلى أي مستوى يمكن أن يصل إليه. فعندما يتساوى الألم الناتج عن الفقر والجوع مع الألم الناتج عن الظلم والاستبداد تبدو المخاطرة أكثر قربا والانفجار أكثر توقعا.

يضاف إلى ذلك وجود حالة تململ داخل المؤسسة العسكرية، تتعلق بتآكل شعبيتها ووصفها من جانب النشطاء بأحط الصفات التي تتعلق بالخيانة وقتل الشعب من أجل مصالح كبار الجنرالات، والتفريط في السيادة الوطنية على أرض مصرية كما حدث في جزيرتي تيران وصنافير، إضافة إلى التقارب الحميم مع الكيان الصهيوني والتبعية المطلقة لرغبات الإدارة الأمريكية، والموقف الخانع من صفقة القرن، والسكون المشين على نقل السفارة الأمريكية للقدس. وكلها عوامل ربما تؤدي إلى تغيرات غير محسوبة ومفاجئة داخل المؤسسة الأكثر أهمية وخطورة في البلاد.

والأهم بحسب الدراسة، أن الشباب الذي استنشق هواء الحرية بعد الربيع العربي، من الصعب أن يتخلى عن أحلامه بوطن حر مستقل لا يرضى فيه مطلقا بالظلم والاستبداد، وسيطرة الأجهزة الأمنية والمخابراتية، وفرض وصايتها على الشعب التي تتواصل منذ عقود أفضت إلى فشل شامل في كل مناحي الحياة.

أين خارطة الطريق؟

وبحسب الورقة البحثية، فإنه حتى اليوم لا يوجد خارطة طريق توضح كيفية الخلاص من الحكم العسكري الشمولي؛ لأن المعارضة بكل أطيافها لا تملك أدوات تمكنها من التغيير المنشود، فلا هي تملك القوة الكافية لذلك ولا تملك حشد الملايين في ظل عمليات القمع الوحشي المفرط من جانب النظام؛ وحيال ذلك، فإن أفضل من يدفع الشعب إلى الثورة هو الجنرال السيسي نفسه، الذي يضغط وبشدة على المواطنين اقتصاديا وسياسيا، والتي يمكن أن تصل إلى مداها الكافي لاندلاع شرارة ثورة جديدة نتمنى ألا تكون ثورة جياع، لكنها ثورة تدفع مؤسسات القوة في النظام إلى التسليم الفعلي وليس الشكلي للسلطة، في إطار بناء معادلة جديدة لطبيعة العلاقات المدنية العسكرية.

وفي ظل هذه التوقعات ومع عدم قدرتنا على وضع تصور لكيفية إسقاط النظام الشمولي الفاسد، لكن ذلك لا يمنع من وضع تصورات لمرحلة ما بعد السيسي إذا حدث هذا السيناريو المفاجئ، تجنبا لما حدث بعد الإطاحة بمبارك من تسليم السلطة للعسكر.

فإضافة إلى وضع تصورات لمعادلة جديدة لطبيعة العلاقات المدنية العسكرية، فإنه من الضروري وضع تصور لطبيعة ومراحل العدالة الانتقالية، وتحديد الآليات المناسبة لمنظمات المجتمع المدني والجهات القضائية التي تمكنها من تحقيق العدالة، واستيفاء الحقوق وصياغة سياسات المساءلة والمصالحة الوطنية. وثالثا صياغة عقد اجتماعي جديد قائم على تحقيق التنمية والحفاظ على الحريات العامة والكرامة الإنسانية.

ورابعا صياغة سياسات اقتصادية واجتماعية قادرة على تحقيق التنمية الاقتصادية على المستوى الكلي، وفي نفس الوقت تحسين معيشة المواطنين، وتوسيع نطاق الاستفادة من الثروة، واستعادة لحمة المجتمع بكافة طوائفه، والخروج من حالات الاستقطاب الشديدة بمظاهرها المختلفة.

خامسا، ضرورة صناعة الكوادر في جميع المجالات، وعدم استنفاذ قدرات الشباب في معاناة يومية ومعيشية مستمرة، مع استثمار قدرات المعارضين والمقاومين في الداخل والربط بينهم وبين حركة الخارج بقدر الإمكان، مع توزيع الأدوار والاستفادة بقدرات كل من يعمل على إحداث التغيير المنشود.

رابط دائم