“السادة الأطباء…الأطباء يقفوا علي اليمين والطبيبات علي اليسار الذراعين أماما، رفع أسفل خفض السلام الجمهوري ابتدي”، ليست نكتة بالطبع ولكنه الجنون الذي أصاب مصر بعد انقلاب 30 يونيو 2013، فمن الواضح أن حكومات العسكر وإعلامهم يتعمدون صدم المصريين بتصريحات مستفزة وحلول غريبة للكوارث والمآسي المزمنة، فمرة يخرج مفتي العسكر علي جمعة، بحل للغلاء والجوع الذي يحرق الشعب ويقترح استبدال اللحم الذي لم يعد بمقدور الكثيرين شراؤه بقطعتين من الجاتوه، ولم يرد “جمعة” على السؤال الساخر:”هل يجوز للجعان اللي مش قادر يشتري اللحمة أن يستبدل حتتين الجاتوه بحتة بسبوسة أو بسيمة أو أم علي؟”.

ومن سخافة “جمعة” إلى “افتكاسة” هالة زايد وزيرة الصحة في حكومة الانقلاب، التي أصدرت قراراً تم تعميمه على جميع مستشفيات الجمهورية، ينص على إذاعة السلام الجمهوري ثم يعقبه قسم الأطباء يوميا، عن طريق الإذاعة الداخلية بكل مستشفى.

يأتي ذلك رغم الحالة المزرية التي وصلت إليها المستشفيات المصرية، حين كان الأطباء يأتون من مختلف دول العالم ليتعلموا من أطبائها، لكن الآن أصبحت المستشفيات العامة كشوارع المدينة، قمامة وقطط ضالة، فأين رقابة وزارة الصحة على القطاع الصحي العام؟ فمن يدخل مريضًا يزداد مرضًا على مرضه.

ومعلقا على ذلك، يؤكد أمين عام مساعد نقابة الأطباء رشوان شعبان أن “دستور 2014 حدد نصيب القطاع الصحي من الميزانية السنوية بما لا يقل عن 3% من الناتج القومي ما يعادل 105 مليارات جنيه إلا أن ما يُستقطع فعليا للقطاع لا يتجاوز نصف هذا الرقم فضلا عما يمثله ارتفاع التكاليف من أعباء إضافية”.

وأرجع شعبان هذا التدني في القطاع إلى أنه “يعكس خيارات وسياسات النظام القائم والتي هي امتداد لسياسات متبعة على مدار عقود ماضية لم تتغير منذ سنوات قبل الثورة وبعدها” مشيرا إلى أن ذلك “له أسوأ الأثر على المواطن المصري حيث لا يتسنى العلاج إلا لمن لديه القدرة المالية على ذلك”.

وطن ضايع

يقول الكاتب محمد محي الدين:” تنهدت تنهيدة عميقة بعد قراءة الخبر وقلت لأمي شفاها الله وعافاها: ويكأن هذا البلد لا ينتوون له التقدم أبدا فبدأت دفاعها التقليدي عن الموقف الراهن دون معرفة سبب تنهيدتي وكلامي فلما علمت أن وزيرة الصحة والسكان عممت قراراً على جميع مستشفيات الجمهورية، ينص على إذاعة السلام الجمهوري ثم يعقبه قسم الأطباء يومياً، وصفتها بأنها متسلقة كسابقها”.

وأردف:”والأمر كله يدفعني للتساؤل عن كيفية اختيار هؤلاء البشر لهذه المناصب الرفيعة الوزيرة أدركت مبكرا وربما لهذا اختيرت أن دورها كقائد للكتيبة الطبية في التشكيل الوزاري تحت مظلة السيسي هو ضمان استمرارها في منصبها والرضا عليها فتقديم خدمة طبية جيدة وتوفير مستلزمات المستشفيات وبناء الجديد والمتخصص منها والتوزيع العادل للأطباء والتمريض والخدمة علي مستوي الجمهورية يعملوا إيه في وطن ضايع؟”.

الانتماء يأتي بالخدمة الجيدة

من جهته يقول الدكتور سمير بدير، أحد الأطباء المصريين:” تعزيز قيم الانتماء لما المرضي يلاقوا خدمة طبية جيده لما يلاقوا سراير نضيفه وأدوية لما الدكاترة ميبقوش في وش المدفع وكل تقصير الصحة يكون علي دماغهم لما ترفع ميزانيه الصحة عالاقل لـ3% زي الدستور ما قال”.

واعتبر عضو مجلس نقابة الأطباء عمرو الشورى أن من أبرز أسباب تدهور حال القطاع الصحي “السياسات الخاطئة وعدم التخطيط، إضافة إلى الفساد وسوء الإدارة وضعف الإنفاق”، ويلفت الشورى عن هذا التدهور إلى أن “السيسي اتجه إلى خصخصة الصحة ببيع عدد كبير من مستشفيات التكامل للقطاع الخاص، وإتباع خطة تنتهج تقديم الخدمة الطبية في المستشفيات المملوكة للدولة بمقابل مادي، ومن المتوقع قريبا تعميم القرار على جميع المستشفيات لتنتهي أسطورة العلاج المجاني”.

وأشار إلى “صدور قرار بضم ميزانية علاج وزارات كالدفاع والداخلية وهيئات أخرى مملوكة للدولة إلى ميزانية الصحة بالمخالفة للدستور، ومن ثم فإن الانخفاض الحالي في الإنفاق الصحي رقميا هو أقل من الانخفاض الفعلي بعد تضخم الرقم بفعل إضافة تلك الهيئات، وكذلك ارتفاع نسبة التضخم وأسعار المستلزمات والأدوية”.

عبث ومتاجرة

ويقول الناشط محمد فريد:” وزيره الصحة تقرر إذاعة السلام الجمهوري داخل المستشفيات دا يدل علي شئ واحد بس ان فعلا مفيش حد مبدع في مصر اللي هو ممكن يعمل حاجه بره الصندوق سلام جمهوري إيه يا بنت العبيطة اهتمي بالخدمات الطبية للمواطن الأول دا أهم من السلام الجمهوري”.

ويقول الناشط علاء طه:” السلام الوطني لا يعزز الانتماء .. إنما توفير العلاج وتحسين المعيشة وإتاحة تعليم جيد وتوفير فرص عمل وتمكين الشباب من المشاركة وتداول السلطة هي التي تعزز الانتماء وتؤكد المواطنة وتصنع دولة حديثة.. ما قررته وزيرة الصحة بإلزام المستشفيات بإذاعة السلام الوطني عبث ومتاجرة في الوطنية”، وترد صاحبة حساب الثورة مأنتخة ساخرة بالقول:” انتي اللي زيك خرج م المطبخ ازاي يا ست انتي؟”.

رحلة عذاب

جدير بالذكر أن العلاج داخل مستشفيات حكومة الانقلاب رحلة من العذاب والمعاناة،‮ قد تكلف المريض حياته لأنها باتت خرابات ومستنقع أمراض تصيب من يقترب منها‮، المنظومة الصحية في مصر ماتت إكلينيكياً،‮ ولا يبقي إلا إعلان الوفاة ومراسم الدفن،‮ فلا أجهزة ولا أطباء ولا علاج ولا أي شيء يمكنها أن تقدمه للمرضي الفقراء الذين لا يجدون بديلا‮، ولا شك أن فشل سلطات العسكر واضح في عدم الاستفادة من المنشآت الطبية التي أهدرت فيها مئات الملايين من الجنيهات ولم تستغل حتي الآن،‮ بل وتحولت لمساكن للأشباح‮، ‬لا يوجد شيء داخل الصروح الطبية تقدمه للمرضي سوي الفساد والإهمال،‮ وأصبح الداخل مفقوداً‮ والخارج مولوداً‮ فلا علاج في مصر إلا للقادرين‮.

رابط دائم