أهالي فيصل بالجيزة في مسيرة حاشدة عقب صلاة عيد الأضحى

منذ أن ابتعلته جدران الزنزانة وهو لا يُري إلا وحيدا شاردا عليه علامات الهم والحيرة والقلق بأكثر منها علامات حزن أو ضيق نفس، ما ينم بأن وراءه أمرا ما، يتعدي ما يعاني منه الجميع من مرارة أسر توقعوها منذ أن احتضنهم طريق الحق، واعتقدت أفئدتهم في قيم العدل و الحرية والثمن الباهظ من أجل تحقيقهما..

ينزوي الشيخ الكبير بعيدا عن رفقاء أسره، ويبتعد عن مشاركتهم في مجالس الطعام والشراب أو الحديث، يكتفي ببعض الإماءات التي تدل علي أنه بخير، وأنه فقط يريد أن يختلي بحاله ليأتنس بذكر ربه ويتزود من ذلك الفيض الرباني مدادا لأيام أخري لا يعلم إذا كانت ستحمل مثل هذا الوقت المتاح للذكر والعبادة أم لا..

تركه زملاؤه لما أراد بل وزادوا له في المساحة المتاحة لنومه ومجلسه حتي كاد أن يكون له محرابا خاصا به رغم هذا الضيق الشديد وكثرة المعتقلين خلف تلك الأسوار الشاهقة، ولكن فيضا من البركات والسعة قد انسكب علي الجدران فباعد بينها أميالا وأميال فكأن لكل منهم أمتارا وأمتارا وليس فقط “قبضة وشبر”*، أوَ هكذا شعر الجميع..!

استمر انغلاقه علي نفسه أياما وأياما، ولم يعد الأمر علي ما يبدو مجرد ميل للعبادة والذكر، فتلك الدمعات التي يبادر بمسحها كلما سأله أحد عن ظروفه وأهل بيته وكيف تركهم، لا تشي سوي بمشكلة حقيقية يمر بها، وهذا التخفف أو العزوف عن الحديث أو المجالسة لا يعبر إلا عن إنشغال ذاتي بما هو أكبر من إلف الأصدقاء ومداعباتهم حين يجتمعون..

*****
وفي يوم “عرفة” تواصي رفقاء الزنزانة بالدعاء غيبا لبعضهم البعض، وقد بدأ كل منهم في سرد ما يريد من دعوات وآمال، وحين جاء دور الشيخ صاحب الهم، لم يقل أكثر من النصر للأمة، وقضاء الدَّيْنِ..!

وبعد كلمات قليلة أخفت أكثر مما أعلنت، فهم من حوله أن مثل هذا الشيخ عزيز النفس كريم الأصل هو من يؤرقه الدَّيْن ويقض مضجعه، ويضيع عليه أية أوقات هانئة يمكن له أن يعيشها، فلا يخفي علي أحد غموض المصير الذي يُقبل عليه الأسري في مصر في مثل تلك الظروف، ومع مصاعب الحياة في الخارج وضيق ذات اليد، يكون الأبناء والأهل أيضا في كرب وغموض مصير مماثل. فعلّ الشيخ لذلك لا يحمل فقط هَم مذلة نفسه حين يجاوزه وقت السداد مضطرا وما في ذلك من جرح لكرامته وكبرياء ذاته وهو الذي لم يعتد من قبل الإستدانة فضلا عن التأخير في السداد، ولكن قلقه أشد علي أهل بيته حين يعرضهم موقف كهذا للقيل والقال، وربما الإهانة والنيل من رفعة الهامة وعزة النفس..

وفي اليوم التالي..صدح المعتقلون بتكبيرات العيد من خلف جدران زنازينهم، أغاظوا سجانيهم بفرحتهم بعيد أمتهم وكأنه يوم إعلان عن استمرار إنتمائهم وثقتهم ويقينهم بدينهم وهويتهم التي يحاربون من أجلها، أخرج المعتقلون كل ما لديهم من قوة وشكيمة إبان الصدح بالتكبيرات؛ حتي كادت الجدران تتهدم!

وجم السجانون تعجبا ودهشة لم يملكوا غيرها في مقابلة تلك العزيمة البادية التي لم يفلحوا رغم كل تلك القيود والتعذيب علي كسرها أو النيل منها..ورغم أن تكبيرات الشيخ كانت مثلهم عالية مدوية وكأنه كان يغطي بصوتها ومعناها علي كل هم أو أرق يراوده؛ إلا أن تشتت خاطره وشرود ذهنه قد وشيا به وكشفا عن مكنون نفسه الحيري المتألمة..

*****

وفي العيد وأثناء وقت الزيارة القليل، فتح أحد المعتقلين يد زوجته علي عجل، ووضع فيها مبلغا من المال كان زملاء الشيخ في الزنزانة قد جمعوه من بعضهم البعض ووفروه من هذا المصروف البسيط الذي يضعه لهم ذويهم من آن لآخر ليشتروا به طعاما قابلا للهضم أو ماء نظيفا بعيدا عن “تعيين” السجن الذي لا يكاد يفي بحاجات طفل صغير، فضلا عن فساده وما به من أمراض مختبئة…ومع ذلك فقد أقبل زملاء الزنزانة علي هذا الماء الغير نظيف فشربوه، وعلي هذا الطعام الفاسد فطعموه، كل ذلك ليوفروا من هذا المصروف الزهيد ما يمكنه أن يفي بدَّيْن الشيخ دمث الأخلاق طيب النفس..

ولأن الوقت كان قصيرا فقد شاركهم في العطاء جمع ليس بقليل من معتقلي الزنازين المجاورة حتي كاد “كانتين” السجن أن يتوقف عن العمل، وقد وفرّ عليهم الشيخ بضعف ملاحظته لما حوله ونتيجة كثرة تفكيره وشروده الدائم وعدم إلتفاته إلي الطعام أو الشراب؛ وفرّ ذلك عليهم أن يضطروا إلي تبرير مستتر لإمتناعهم عن “الكانتين” أو تخففهم من المأكل؛ حتي لا يكشفوا له شيئا من هذا السر الذي قرروا ألا يطلعوه عليه أبدا مهما حدث.

أطبقت الزوجة علي المال بقوة، وانصرفت سريعا بعد أن انقضت دقائق الزيارة المعدوة في شرح القصة ووصف مكان الدائن لتذهب إليه..

*****
بعد إنتهاء أيام العيد ومع أول زيارة للشيخ مع أهل بيته، أخبرته زوجته أن الدائن أرسل لها بإيصال الأمانة خالصا، وأنه أكد لها بأن هناك من دفع الدَّيْنِ كاملا وأنه ليس منة منه عليهم أو تفضلا، بل شكرهم للوفاء والإلتزام بالموعد المحدد، والذي لم يتوقع حدوثه بعد سماعه بما جدّ علي أسرتهم من ظروف..

نظر إليها الشيخ في دهشة تنم عن ارتباك لسماع ما تتحدث به والمشقة في تصديقه، فأية يد تلك التي أمكنها أن تمتد لهم بالمساعدة وكل من حولهم من جيران وأهل في مثل بساطة حالهم وضعف ذات اليد، من هي إذن تلك اليد التي قدمت الخير في صمت وسكون، ثم اختفت دون أن تعلن عن نفسها أو تنتظر حتي الدعاء والشكر، ثم مَن عساه قد عرف بقصة الدَّيْنِ تلك وهو لم يقصها إلا علي عجل يوم عرفة طلبا للدعاء لا استجداء للشفقة أو المال، ولم يحكها إلا لزملاء مثله أسري قليلي الحيلة بسطاء الدخل، بالكاد تمضي بهم الأيام علي تلك اللقيمات التي يمكن لهم أن يشتروها من “كانتين” السجن حتي يتقوون بقليل الزاد هذا علي العبادة والذكر والظهور بصلابة أمام أهلهم وذويهم عندما تحين لحيظات الزيارة العبارة…هل يمكن أن يكونوا هم الذين جمعوا من بقايا الخيوط المتناثرة نسيجا سميكا ليمسح دمعه ويشد أزره..!!

أسئلة كثيرة كانت تتقاذف في ذهن الشيخ حتي غلبت علي وقت الزيارة الذي انتهي سريعا، ولم يفز فيه سوي بعلامات البِشر الراضية المطمئنة التي رآها علي وجه زوجته وهي تودعه، وتخبره أن قلبها مليء بالثقة بأن العسر يحوي في طيه –يقينا- يسرا خفيا، وأن الذي ابتلاهم بالأسر ستر ماء وجههم وحفظهم من مذلة الدَّيْنِ وأنات العوز والحاجة ..

أنار وجه الشيخ الأمل والعزم، وعاد إلي زنزانته مقبلا باشا تعلو شفاهه صيحات التكبير، تهلل الصحب الكريم إذ رأوه هكذا، وقالوا له مداعبين إن أيام العيد قد مضت، ترقرت عيناه بدمع السعادة في تلك المرة لا بدمع القلق والهَم، وتنهد في إرتياح وطمأنينة وقال لهم محييا مصافحا: إن كل يوم في صحبتكم عيدا جديدا..!!

——————————-
هامش:
*مفردات خاصة بقياس المساحة داخل المعتقلات للضيق الشديد داخلها

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم