منذ اللحظات الأولى لطرح السعودية لروايتها الرسمية حول مقتل جمال خاشقجي داخل قنصليتها في إسطنبول، ضج العالم حولها وقلل من مصداقيتها وسط تساؤل واحد: أين الجثة؟، ولم تمر رواية السعودية على العالم بأن خاشقجي المختفي منذ 18 يومًا قتل في شجار وقع داخل القنصلية مع مواطنين سعوديين، في المقابل قتل في مصر وعلى شاشات الفضائيات نحو 5 آلاف معتصم في رابعة والنهضة، واعتقل بعدها 60 ألف ووصل العدد إلى 100 ألف معتقل، وأعدم العشرات واختطف المئات قسرًا ولم يحرك العالم ساكنًا أو يكترث لهم.

منذ اللحظات الأولى للانقلاب، وطلب التفويض السفيه قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي، ومصر تئن مُرّ عويل أبنائها ليل نهار، فمنهم الثكلى لشاب يانع قتلته يد الغدر باسم التفويض، ومنهم المحزون لآخر أودع السجن لرأي حر معلن، ومنهم المغبون لغير ذنب، ومنهم من هلل لبزة عسكرية فما رأى غير ذلة وانكسار في بلده كما في خارجها، المهم أن جميعهم مَن هلل ومَن خالف ذاقوا من سم السفيه السيسي وغباء سياسته اقتصاديًا و سياسيًا، أكان ذلك داخل مصر أم حسرة عليها من خارجها، الجميع دفع ثمن الانقسام من حريته ودمه ودخله ومستوى معيشته.

وعلى الجهة الأخرى، وبعد لحظات من إقرار السعودية بقتل خاشقجي داخل قنصليتها، بدأت التسريبات الصحفية تظهر للعالم حول جثته؛ إذ كشفت وكالة “رويترز” عن مصدر مطلع أن سائق القنصلية السعودية من بين من سلموا الجثة “لمتعاون محلي”، المصدر يؤكد أنه لم يعرف ماذا حدث للجثة، في حين وردت حقيقة أخرى تشير إلى أن الجثة تم إخفاؤها في منزل القنصل الموجود قرب القنصلية.

فرضيات الاختفاء

وعلى غرار ما يجري في مصر من اختطاف الأبرياء قسرا لأشهر وظهورهم إما جثث مقتولة في مسرحيات تبادل النار مع ميلشيات الأمن، أو متهمين في جرائم لم يرتكبوها أو يسمعوا بها، كان الأمن التركي أجرى بحثاً موسعاً في إحدى الغابات على مشارف إسطنبول ومدينة قرب بحر مرمرة؛ بحثًا عن جثة خاشقجي، ويتوقع الأمن التركي أن قتلة خاشقجي ربما ألقوا بجثته في غابة بلغراد المتاخمة لإسطنبول، وعند موقع ريفي قريب من مدينة يالوفا، التي تبعد 90 كيلومترا جنوبي المدينة.

وأستند الأتراك حول وجود جثة خاشقجي في إحدى الغابات إلى شكوك أمنية بأن رفاته ربما تكون في مدينة يالوفا وغابة بلغراد، أو ربما تم استخدام منزل ريفي في التخلّص من الرفات، وحصل الأتراك على عينات كثيرة بعد تفتيش القنصلية السعودية، وبيت القنصل، ومن خلالها سيحصلون على آثار الحمض النووي لخاشقجي.

كذلك، خرجت للعالم رواية أخرى بأن فريق الاغتيال قام بالتخلُّص من جثة خاشقجي، بتذويبها بمادة “الأسيد”، لمحو أي معالم للعثور عليه، ولم تستبعد الجهات الأمنية التركية هذه الفرضية خلال تحقيقاتها، لأن السلطات السعودية ترفض التعليق أو إعطاء أي معلومة عن جثته.

مصر لا بواكي لها

وأمام تساؤل العالم حول مكان وجود جثة خاشقجي، خرج مسئول تركي كبير بأن المحققين الأتراك سيكشفون في القريب العاجل عن مصير جثة خاشقجي الذي قتل في قنصلية بلاده في إسطنبول، ونقلت وكالة “رويترز” عن المسئول الذي رفض ذكر اسمه، أن عينات الحمض النووي لخاشقجي تم أخذها في تركيا، الأمر الذي يعني أن المحققين يجب ألَّا يطلبوا هذه العينات من السعودية.

وأمام هذه المعطيات والفرضيات المختلفة حول جثة خاشقجي، يوجد تأكيد لدى العالم بأن الصحفي السعودي تم تقطيعه بعد مقتله من قبل مدير الطب الشرعي بالأمن السعودي، صلاح الطبيقي، ويعد تقطيع الجثة أحد الأساليب التي استخدمها فريق الاغتيال لإخفاء وتضليل فريق التحقيق التركي والعالم حول كيفية قتله بالتحديد.

وعلى مستوى جريمة قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، لم تشهد مصر من أيام أبو الانقلاب الفاشي جمال عبد الناصر قمعًا وسجنًا وتنكيلاً بالمعارضين على مرأى ومسمع من المجتمع الدولي كما شهدت مصر منذ انقلاب 2013؛ فقد تم سجن أكثر من 65000 معارض وناشط سياسي في سجون اكتظت بساكنيها، لدرجة أن بعض السجون وصل عدد المسجونين السياسيين بها إلى أكثر من 3 أضعاف العدد الذي صُممت من أجله تلك السجون.

ولم تشهد مصر عددًا من أحكام القتل كما شهدت تحت إمرة السفيه السيسي وحكومته؛ فقد بلغ مجموع أحكام الإعدام السياسية في مصر طبقًا لإحصاءات التنسيقية المصرية للحقوق والحريات لسنة 2017 قرابة الـ3000 حكم، تم تنفيذ عدد كبير منها، في حين ينتظر الكثير من هؤلاء المحكومين ساعة الحسم.

ولم تشهد مصر عددًا من مشاريع السجون الجديدة في تاريخها كما شهدته في عهد السفيه السيسي؛ فقد بلغ عدد السجون في مصر طبقًا لتقارير مؤسسات حقوقية كمؤسسة عدالة ومؤسسة الشهاب حتى يناير 2011 ثلاثة وأربعين سجناً، بالإضافة إلى 382 مقر احتجاز داخل أقسام الشرطة، وفي الفترة من 2011 وحتى يونيو 2013 تم إنشاء عدد اثنين من السجون.

سنوات القمع

وفي خلال أربع سنوات بدءًا من يوليو 2013 وحتى يوليو 2017 صدرت قرارات بإنشاء سجون بلغت واحدًا وعشرين سجنًا جديدًا ليصل عدد السجون إلى 66 سجنًا، وذلك في الوقت الذي تعاني فيه مصر من أزمة تكدس السكان ومشكلات اقتصادية واجتماعية وتعليمية.. وفوق ذلك، فهي تعاني أيضاً من أزمة تكدس داخل السجون.

كما لم تشهد نساء مصر تنكيلاً كما شهدت تحت حكم السفيه السيسي، بدءاً من التهميش المتعمد لقضايا هامة كختان الإناث، وانتهاء بأعداد غير مسبوقة من المختفيات قسريًا والمغتصبات والثكالى اللاتي فقدن الأب والأخ والزوج والولد، ويتساءل الكاتب مارك كيرتس في مقال نشرته مجلة “ميدل إيست آي” البريطانية عن كيفية استفادة المملكة المتحدة اقتصاديا من نظام السفيه السيسي.

ويقول كيرتس، وهو المؤرخ والخبير في السياسة الخارجية للمملكة المتحدة، في المقال إن تزايد حجم التعاون التجاري بين بريطانيا وعصابة الانقلاب العسكري في مصر يجعل لندن تتغاضى عن الفظائع التي ترتكبها تلك العصابة بحق الشعب المصري، ومن بينها المجزرة التي اقترفها بحق المعتصمين في رابعة في 14 أغسطس 2013.

فلقد قام الانقلاب العسكري بقيادة السفيه السيسي قبل خمس سنوات بسحق اعتصام في ميدان رابعة العدوية في القاهرة، في مذبحة أسفرت عن مقتل الآلاف، ومنذ ذلك الحين، فقد مكن القمع المتزايد السفيه السيسي من تعزيز حكمه مع الحفاظ على دعم مؤيديه الغربيين الرئيسيين، ممثلين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، حيث كانت سياسة بريطانيا تجاه مصر في السنوات الخمس الماضية صادمة، لتؤكد أن لندن تغض الطرف عن سحق المصريين وقمعهم وقتلهم، وتفضل دعم الأنظمة القمعية التي تضمن مصالحها التجارية في الشرق الأوسط.

رابط دائم