عرفت الفترة التي امتدت بين انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل بسويسرا، واللحظة الراهنة محطات كثيرة خطيرة ومؤلمة حاول الصهاينة خلالها تمزيق وتفتيت الوطن العربي واختراق كل خطوطه الدفاعية، بدعمٍ وتأييدٍ مطلقين من الغرب عامة والولايات المتحدة خاصة.

كانت القدس منذ احتلها الصليبيون وحررها القائد الكردي صلاح الدين الأيوبي حلبة صراع، جرّت على العرب ويلات الحروب ونكساتها ونكباتها غير أن لا أحد تجرأ أن يقول إن للصهاينة حق العيش بسلام، على الأقل ليس علناً، قبل أن يأتي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القطعة الأساسية في لعبة الشرق الأوسط الجديد.

حلفاء القضية الفلسطينية أصبحوا أكثر ميلاً إلى الرضوخ لرغبة الصهيوني ترامب، الذي زعزع العالم خلال فترة الانتخابات ثم جعله لا يستقر على قرار بعد أن خلق مفاجآت كثيرة في السياسة الدولية، لعلّ أهمها كسب ولاء السعودية لأمريكا بشكل أعمى وبلا شروط، ثم إعلانه بيع القدس في صفقة أطلق عليها صفقة القرن، التي تحمس لها السفيه قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي.

 المؤامرة

خيوط الصهيونية التي نُسجت في مؤتمر “بازل” انتشرت في العالم كالسرطان ولم تسلم منها مصر عبر عسكر انقلاب يوليو 1952، وتمددت بشكل مدروس ومتسارع لتطال معظم أرجائه، وذلك من خلال استئثارها بزمام الأمور الاقتصادية والإعلامية في غالبية بلدانه وتزعمها للانقلابات العسكرية فيه تمويلاً وتنفيذاً، وامتلاكها لأضخم إمبراطورية مالية تغذت خزانتها من مساعدات المنظمات الصهيونية والجاليات اليهودية والتيارات المسيحية المتصهينة المتعاطفة معها ومن التعويضات الألمانية والمساعدات الأمريكية التي ما تزال تتدفق عليها حتى الآن.

انعقد المؤتمر الصهيوني الأول في المدينة السويسرية بين التاسع والعشرين والحادي والثلاثين من شهر أغسطس 1897، وأشرف على تنظيمه ورئاسته المفكر والكاتب اليهودي المجري تيودور هرتزل الذي يُعدُ أبو الصهيونية العالمية، وحمل المؤتمر شعار “العودة إلى صهيون”.

وصهيون هو جبل في مدينة القدس الفلسطينية المحتلة، وحضره 204 من المندوبين اليهود، منهم 117 مثلوا جمعيات صهيونية مختلفة، و 70 جاءوا من روسيا وحدها، كما حضره مندوبون من القارتين الأمريكيتين والدول الاسكندينافية وبعض الأقطار العربية وبالأخص الجزائر، وكان مقرراً للمؤتمر أن ينعقد في مدينة ميونيخ الألمانية، إلا أن الجالية اليهودية هناك عارضت ذلك لأسباب خاصة بها مما استوجب نقله إلى مدينة بازل السويسرية.

افتتح الإرهابي تيودور هرتزل المؤتمر بخطابٍ “ناري وعاطفي” كشف فيه عن الهدف الحقيقي من وراء انعقاده، والذي تمثل بما أسماه “وضع الحجر الأساسي للبيت الذي سيسكنه الشعب اليهودي في المستقبل”، وأعلن في ذلك الخطاب “أن الصهيونية هي عودة إلى اليهودية قبل العودة إلى بلاد اليهود”، كما حدد فيه مضمون المؤتمر فاعتبره “الجمعية القومية اليهودية”، وفي نهاية المؤتمر أقر المؤتمرون أهداف الصهيونية التي عُرفت بعد ذلك باسم “برنامج بازل” الذي حسم موقف الصهاينة من موقع كيانهم، التي لطالما حلموا به.

ومن الأمور البديهية المعروفة بشكل كبير في الوطن العربي هي قصة رفض السلطان عبد الحميد الثاني بيع فلسطين لرئيس الوكالة اليهودية ثيودور هرتزل الذي قدم إلى إسطنبول في يونيو 1896 وحاول لقاء السلطان عبد الحميد الثاني لإقناعه بالسماح لليهود الهجرة إلى فلسطين مقابل سداد ديون الدولة العثمانية بشكل كامل.

 تبين الوثائق والمصادر التاريخية أن عبد الحميد الثاني كان على علم تام بالخطط الصهيونية تجاه فلسطين منذ 1882 بعد بدء الجماعات اليهودية بعقد اجتماعات سرية في بعض الدول الأوروبية والقيصرية الروسية من أجل تأسيس دولة يهودية تجمعهم وتراثهم وثقافتهم ودينهم ولغتهم في فلسطين.

وكان المُحرك الأساسي لهذه المؤتمرات والاجتماعات المفكر اليهودي ثيودر هرتزل الذي كتب كتاب الدول اليهودية بتاريخ 14 فبراير 1896 وبين فيه أن “اليهود قومية بلا وطن، ولا تُحل قضيتهم إلا من خلال وطن جامع لهم ولا بد أن يكون هذا الوطن في أرض الله الموعودة “فلسطين” وإن لم ننجح بأخذ فلسطين يمكن أن يكون وطننا في أوغندا أو الأرجنتين ولكن لا بد أن يكون موعدنا في فلسطين الأرض التي وهبنا إياها الرب”.

ويُقال أن هرتزل زار إسطنبول مابين 1896 إلى 1902  5 مرات وأفنى كل ما بوسعه من أجل الحصول على موافقة عثمانية بالسماح لليهود بالهجرة لفلسطين ولكن دون جدوى ويُقال أيضا بأن السلطان عبد الحميد أمر بتشديد الإجراءات الأمنية على فلسطين وأمر بتشديد الإجراءات الأمنية على تنفيذ قانون “الإرادة الثانية” الذي صدر عام 1883 والذي نص على جعل 80% من أراضي فلسطين أراضي وقف تابعة للدولة و20% أرض ملك خاص.

 حفيد السلطان

وبعد 121 عاماً من مؤتمر بازل الصهيوني الأول، حذر الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، من أن عجز الأمتين العربية والإسلامية عن حماية القدس يعني عدم القدرة على حماية مكة المكرمة، جاء ذلك خلال تظاهرة ضخمة في مدينة إسطنبول، بمشاركة ممثلين عن دول منظمة التعاون الإسلامي، وبحضور شعبي ضخم، نصرة للقدس ورفضاً لمجزرة غزة الأخيرة.

وقال أردوغان: “القدس ليست مجرد مدينة، بل رمز وامتحان وقبلة، فإذا لم نستطع حماية قبلتنا الأولى فلا يمكننا النظر بثقة إلى مستقبل قبلتنا الأخيرة مكة”، ولام المسلمين في تعامل بعضهم مع بعض، قائلاً: “إنهم بقدر ما هم أشداء على بعضهم في صراعاتهم الداخلية، فإنهم لا يتحلون بالشجاعة أمام خصومهم”.

وأضاف: إن “تركيا دولة حددت موقفها من مسألة القدس وفلسطين، وذلك من خلال العمل عبر القنوات الدبلوماسية والخطوات الفعلية على الأرض”، وتابع: “تم التطاول على قدسية القدس مرة أخرى بقرار الولايات المتحدة الأخير، والصهاينة يدنسون المسجد الأقصى، والحرم الإبراهيمي محتل، ونحن لا نفعل شيئاً”.

واعتبر أن “اللغة الوحيدة التي يفهمها الظالم عديم الأخلاق -في إشارة إلى إسرائيل- هي القوة؛ لذا في حال اتحد العالم وجميع المسلمين لن تتمكن إسرائيل من مواصلة ما تقوم به”، على النقيض من موقف الرئيس أردوغان يلعب السفيه السيسي دور الوسيط او المحلل أو التيس للولايات المتحدة في التمهيد لخطة تصفية القضية الفلسطينية المسماة بصفقة القرن، وسلّطت صحيفة “الواشنطن تايمز” الأمريكية الضوء على صفقة القرن التي يسعى إليها الرئيس دونالد ترامب، وتتضمّن إقامة دولة فلسطينية على شبه جزيرة سيناء المصرية، متسائلة ما إذا كان السفيه السيسي، سيكون قادراً على تنفيذه.

رابط دائم