ارتدت طرحتها، دون أن تودع زوجها وابنيها عبيدة وضحى.. لأن النظر في عيونهم ربما كان كفيلاً بأن يثنيها عن المهمة التي قررت أن تنفذها؛ حيث أصرت على أن تكون الاستشهادية السابعة في تاريخ فلسطين.

ريم الرياشي.. ابنة حماس الوفية التي لم تستمع لنداءات ابنيها، وقررت أن نداء الوطن أهم.. صرخات الأبناء كانت أهون عندها من صرخات آلاف الأطفال الذين راحوا ضحية الغدر الصهيوني على مدار عشرات السنين.. دموعهم ذابت حين كان المقابل هو أخذ أمهم للثأر من المحتلين الغاصبين الذين استولوا على التاريخ والجغرافيا.

في مثل هذا اليوم قبل 14 عاما خرجت الاستشهادية ريم الرياشي من منزلها، لتفجير نفسها بمجموعة من قوات الاحتلال المتواجدين في حاجز بيت حانون شمال قطاع غزة ، أسفرت عن مقتل “٤” منهم ، وإصابة آخرين.

شهيدة غزة

من غزة خرجت، وإلى قلوب ملايين المسلمين وصلت بعد أن انفجر جسدها من أجل أن تلم شتات المسلمين في كل مكان إلى جوار القضية الفلسطينية التي كانت وستظل قضية المسلمين الأولى.
ولدت ريم صالح الرياشي عام 1981، في حي الزيتون بمدينة غزة وهي أم لطفلين أحدهما رضيع، تنتمي لكتائب القسام الجناح العسكري لحماس،

ما حدث باختصار يوم 14 يناير 1981 يصفه “شيمني” قائد الفرقة العسكرية الصهيونية في قطاع حيفا قائلا: إن “منفذة العملية استغلت فرصة انشغال الجنود في الاستعداد لإجراء فحص أمني خاص بها، في مثل هذه الحالات، وقامت فجأة بالتقدم نحوهم وبتفجير نفسها”.

وتعتبر ريم الرياشي سابع استشهادية فلسطينية تنفذ عملية ضد الاحتلال الصهيوني، وهي الأولى في “كتائب الشهيد عز الدين القسام”، والأولى من قطاع غزة.

 

وصيتها المؤثرة

قبل أن ترحل أوصت ريم الرياشي قائلة: “اسمحوا لي أن أخاطبكم الخطاب الأخير قبل العملية التي أنوي تنفيذها راجية الله أن يتقبل مني شهادتي وأن يعينني على قتل أكبر عدد من جنود الصهاينة المحتلين”.

وأضافت: “أتوجه إليكم من دون الرجال لأنني لم أعد أرى رجالا في أمتنا سوى بقايا منهم في فلسطين والعراق , فأنتم الأمل الباقي لهذه الأمة بعد أن خلت من الرجال, وأنتم المسؤولون عن قيادة هذه الأمة إلى النصر وإلى العزة والكرامة بعد أن أوصلها أشباه الرجال إلى هذا الذل والعار الذي يجللها من مشرقها إلى مغربها, أنتم الذين ستحملون راية هذه الأمة وترفعونها خفاقة بين رايات الأمم التي تعيش فوق كوكبنا هذا بعد أن نكس راياتها أشباه الرجال من الحكام والعلماء والمثقفين ومن يسمون أنفسهم النخب. من أرحامكن يا نساء الأمة سيخرج الأطفال الذين سيعيدون مجد هذه الأمة يكتبونه بدمائهم وأشلائهم, من أطفال هذه الأمة سيخرج من تربى على رمي الحجارة ومواجهة الدبابات بصدره العاري ليخلص هذه الأمة أولا من حكامها ثم من المخذلين والمنافقين والمرائين والمعوقين وأخيرا ليخلصها من اليهود المغتصبين; وليعيد لها مكانتها أمام الحاقدين من الغربيين والشرقيين. أما أشباه الرجال فأوصيهم بأن يتخلوا عن الكلام الذي لم يعد يسمن ولا يغني من جوع وعن المداراة والنفاق والدعاء للحكام بالصلاح والتوفيق, وأن يعتزلوا منابرهم التي يقفون عليها فهم ليسوا أهلاً لها,”وأوصيهن بإلحاق نون النسوة بصفاتهن وأسمائهن وتاء التأنيث بأفعالهن, فهن أحق بها وأهلها”.

وقالت: “أدعوا الله لي يا إخوتي أن يتقبلني شهيدة غدا, فأنا أتمنى لقاءه, وأتشوق للشهادة أمامه على أمتي وعصري وزماني, أتحرق للشهادة على حكام الذل والخيانة.. أريد أن أشهد أمامه سبحانه على كل حاكم تخلى عن قدسنا وفلسطيننا وعن أهلنا, أشهد أمامه سبحانه على كل من قطع المعونات البائسة الشحيحة عن أطفالنا طاعة لمولاه في البيت الأبيض.. أشهد أمامه سبحانه على كل من مد يده ليهود وقطعها عن إخوانه من المسلمين, أشهد أمامه سبحانه على كل من حارب شعبه وترك حرب أعدائه, أشهد أمامه سبحانه على كل من عاش لعرشه بدل شعبه وكل من باع وطنه مقابل حكمه, أشهد أمامه سبحانه على كل من شرد الشرفاء من أمته ورعيته واستبدل بهم المطبلين والمزمرين والمسبحين بحمده ليستتب الأمر ليهود ومن والاهم, أشهد أمامه سبحانه على كل من يتحجج بعدم القدرة وهو يصفي الأمة من القادرين على التغيير خوفا! أن يطاله التغيير, أشهد أمامه سبحانه على كل من سرق أموال الأمة وحولها لحسابه الخاص وحساب أسرته وأقربائه وأعوانه وترك شعبه يلهث وراء الفتات حتى لا يستطيع أن يفكر في المصائب التي تنهال على رأس هذه الأمة”.

وأضافت الاستشهادية: “أتوق لأن أصل إلى ربي شهيدة على علماء هذه الأمة الذين شغلتهم فتاوى الزواج والطلاق عن طلقات المدافع والصواريخ التي تهطل علينا كالمطر, وشغلتهم فتاوى الربا وتحليله عن تحليل اليهود لدمائنا وأعراضنا وبيوتنا وأشجارنا, وشغلتهم فتاوى طاعة الحاكم وعدم الخروج عليه والدعاء له بالصلاح عن خروج الأمر من يد الأمة وعن طاعة الحاكم وولايته للعدو. أريد أن أشهد عليهم بأنهم شياطين خرس لا يقولون إلا ما يديم عليهم مناصبهم ويديم عليهم رزقهم ويديم عليهم عافيتهم, يتأولون ما لم يعد فيه مجال للتأول, ويسكتون عن الحق حيث لا مجال للسكوت, ويدرؤون الفتنة بزعمهم حيث لم يعد هناك فتنة بل وصلنا إلى الكارثة وهم نيام ينظرون, ويحاربون بعضهم بعضا يكفرون ويفسقون ويبدعون ويضللون من شاؤوا من إخوانهم في العقيدة ثم يسكتون عن الحاكم وآثامه البغيضة ويأمرون الناس بالسمع والطاعة ويصرخون في وجوه المنتقدين: هذا أهون الشرين”.

 

واستطردت: “بعد استشهادي غداً بإذن الله, ستسمعون كلاما كثيرا عن أنني ألقيت نفسي في التهلكة, وقد يخرج من يقول عني منتحرة, وقد يخرج من يقول عني حمقاء تركت أبناءها ولم ترع حرمة زوجها وأهلها ولهؤلاء أقول: دعوكم من لحمي المسموم ويكفيكم الفتات الذي يلقي به الحاكم إليكم لتأكلوه والنفايات التي تربون عليها أولادكم, أما أنا فمؤمنة بأن رازقي ورازق أولادي من بعدي هو ربي الذي رباني وسيتولى تربية أولادي من بعدي, أما أنتم فتعتقدون أن صاحب الجريدة التي تكتبون فيها هو الرزاق, وأن صاحب المحطة التي تتكلمون منها هو الرزاق, وأن وزير الأوقاف الذي عينكم هو الرزاق, وأن الحاكم الذي يدير مزرعة العبيد التي تعيشون فيها هو الرزاق, فهنيئا لكم عقيدتكم هذه وهنيئا لكم إيمانكم هذا وستعرفون يوما ما من هو الرزاق الحقيقي ومن هو المربي الحقيقي ومن بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه” .

رابط دائم