سيظل السابع عشر من يونيو محفورا في ذاكرة الأجيال القادمة من المصريين، فيه تولى الرئيس الشهيد محمد مرسي أمانة رئاسة المصريين بعد ثورة مجيدة في الخامس والعشرين من يناير عام 2011، في أول وآخر انتخابات ديمقراطية نزيهة ونظيفة شهد لها العالم، وربما تكون آخر انتخابات يشهدها المصريون.

وبعد ما يزيد عن الست سنوات قضاها ثابتا صامدا صابرا في أسر الانقلاب العسكري، المدعوم عربيا وخليجيا وأمريكيا وصهيونيا، رحل الرئيس الشهيد في السابع عشر من يونيو لعام 2019، رحل الرئيس الشهيد الذي دخل الحرم فهتفت جموع مسلمي الدنيا باسمه، رحل من خرج المقدسيون لأجله، وشهدوا من قبل بنبله، وفي مسري الأنبياء في المسجد الأقصى صلوا عليه.

محطات مباركة

رحل من ترضى على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في إيران في عقر دار من يسبونهم، رحل من قال “لبيك غزة وفلسطين”، فجاءه الأمريكان مهرولين لاحتواء غضبه، ومن قال “لبيك سوريا” وعامل لاجئيهم معاملة المصريين، رحل من قال “نريد أن نصنع سلاحنا ودواءنا وغذاءنا ونستقل بإرادتنا”.

رحل من قال في الأمم المتحدة وأسمع العالم كله “اللهم صل على محمد خاتم الأنبياء والمرسلين فإننا نحب من يحبه ويحترمه ونكره ونعادي من يسيء إليه”، رحل من نعاه المسلمون في كل الأرض، وصلوا عليه صلاة الغائب شهادة له بحسن خاتمته وطيب سريرته، فالناس شهداء الله في أرضه.

رحل حامل كتاب الله، من صلى إماما بالناس في الحرم النبوي، رحل رافعا سبابته يشهد الله علي ظلم بني وطنه، رحل ودفن بليل في صمت، لكن حتما سيكتب التاريخ عنه في أول سطر، كواحد من أنبل وأصدق من ضحوا بحياتهم ومكانتهم من أجلك يا مصر.

لم يكن صعود الرئيس الشهيد محمد مرسي ليتولى رئاسة مصر لعام واحد حدثا عاديا في حياة المهندس، ابن الفلاح، الذي ولد في قرية العدوة التابعة لمحافظة الشرقية في الدلتا، صعودٌ جاء على رغم أن مرسي، الذي ترأس حزب “الحرية والعدالة”، أول حزب تنشئه جماعة الإخوان المسلمين بعد ثورة يناير، لم يكن يطمح للرئاسة.

لكن الفرصة لم تتَح له من أجل تأدية مهماته رئيسا فعليا للبلاد، بسبب تمرد الجيش والشرطة وأجهزة الدولة العميقة التي نشأت مع انقلاب جمال عبد الناصر واستمرت حتى انقلاب 30 يونيو 2013، التي تآمرت بوضوح ضده، على رغم محاولاته المستمرة في تغيير القيادات، بِمَن فيهم وزير الدفاع ورئيس الأركان.

وُلد الرئيس الشهيد مرسي لأسرة بسيطة، لأب فلاح يمتلك أرضا محدودة، وأم ربة منزل، وأشقاء كان هو أكبرهم، التحق بكلية الهندسة في جامعة القاهرة ليحصل بعدها على منحة في الولايات المتحدة؛ حيث حصل على الماجستير والدكتوراه بتفوق.

جاء انضمامه إلى الإخوان رسميا عام 1979، وبدأ ممارسة العمل السياسي مع الجماعة، انتخب نائبا في البرلمان عام 2000، ونجح في انتخابات 2005 وصار المتحدث الرسمي باسم كتلة الإخوان الـ88، عُرف بمواقفه الصامدة مع عصابة حسني مبارك تحت قبة البرلمان، مواقف عدة سجلتها مضابط البرلمان، من أبرزها اعتراضه الدائم على تمديد “حالة الطوارئ”.

الرئيس الثائر

ومع بداية ثورة 25 يناير، أُلقي القبض على الرئيس الشهيد مرسي مع مجموعة أخرى من قيادات الجماعة، وجرى نقلهم بين أكثر من موقع قبل أن تستقر بهم الحال في سجن وادي النطرون، لكنه خرج منه يوم 28 يناير 2011، المسمى جمعة الغضب، مع حالة الانفلات والفوضى التي دبرتها المخابرات واذرع الدولة العميقة، وكان من بينها اقتحام منهجي للسجن الموجود في منطقة صحراوية.

بعدها، وعلى رغم انتخابه رئيسا لحزب “الحرية والعدالة”، لتشرع جماعة الإخوان في ممارسة العمل السياسي بإطار قانوني، في ظلّ ما تميزت به ما بعد 25 يناير من انفتاح على إنشاء الأحزاب، فإن ترشحه للانتخابات الرئاسية جاء مدفوعا بالرغبة في الحفاظ على وجود مرشح للجماعة في أول انتخابات رئاسية تعددية.

ودفعت الجماعة به ليكون المرشح رقم 13 في قائمة الانتخابات خوفا من وجود عوائق قانونية تؤدي إلى حذف نائب المرشد العام للجماعة، خيرت الشاطر، الذي كان عازما على تولي المنصب، وصار الرئيس الشهيد مرسي مع بداية السباق الرئاسي في انتخابات 2012 مرشح الجماعة الوحيد.

نجح الرئيس الإسلامي الراحل بفضل تنظيم الجماعة في الشارع وقدرتها على الحشد وثقة المصريين، في الوصول إلى جولة الإعادة، ثم فاز بفارق يقترب من 1.5% على الفريق أحمد شفيق الذي كان يمثل نظام المخلوع مبارك، ليبدأ رئاسة مدتها الرسمية أربع سنوات بموجب الدستور، لكن مدتها الفعلية لم تزد عن عام ويومين، إذ تحرك الجيش مدفوعا من الخليج وإسرائيل وأمريكا وأوروبا لإزاحته من السلطة يوم 3 يوليو 2013، بعدما اجتمع بقادة المعارضة، وتوافقوا على الإطاحة بمرسي من السلطة وبداية مرحلة الانقلاب العسكري.

خلال عام حكمه، واجه الرئيس الشهيد مرسي محاولات مستمرة قادها الجيش لإفشاله، ووضع العقبات في طريقه، وتوريطه أمام الرأي العام المصري، أشهرها تسريب نسخة الخطاب البروتوكولي الذي يرسل إلى رؤساء الدول مع تعيين السفراء الجدد، ومنها خطاب تعيين السفير المصري لدى تل أبيب، الذي بدأه بـ”عزيزي بيريز”، ليرى المصريين الجنرال الذي وضعته إسرائيل على عرش مصر في أحضان نتنياهو.

أراد الرئيس الشهيد مرسي إحداث تغيير داخلي وخارجي في السياسة المصرية، فزار إيران، وكان حريصا على استئناف العلاقات الرسمية معها، وهو ما رفضته الدولة العميقة خوفا من إغضاب ممالك وإمارات الرز الخليجي، كما تبنى مواقف داعمة للمقاومة الفلسطينية إبّان حرب غزة 2012، بل أرسل رئيس حكومته إلى القطاع في زيارة تاريخية لم تحدث منذ عقود، وهي سياسة لم تعجب السعودية والإمارات بوضوح، ما دفعهما إلى دعم انقلاب الجيش.

مؤامرة القتلة

حاول الرئيس الشهيد مرسي احتواء المعارضة، وإدارة حوار ديموقراطي معها، إلا أن المعارضة كانت قد عقدت صفقتها مع الجيش والخليج، فشن عليه الإعلام هجوما شرسا بلا هوادة بصورة غير مسبوقة ولم تتكرر بعده، ورفضت أجهزة الدولة تنفيذ قراراته، بل أعطته معلومات غير صحيحة دوما، إلى أن حرّضت على مواجهته حينما دعمت الشرطة التظاهرات ضده، وعملت على محاصرة منزله وقصر الحكم.

تعرض الرئيس الشهيد مرسي لظلم واضح خلال احتجازه على مدار ست سنوات، بدأت بمفاوضات معه من أجل قبوله التنازل عن السلطة والاعتراف بالانقلاب، وقد احتجز في مقر الحرس الجمهوري لأيام قبل أن يُنقل إلى قاعدة بحرية في الإسكندرية، والتقى مبعوثة الاتحاد الأوروبي آنذاك، كاترين آشتون، في مقر احتجازه، والتي حاولت إقناعه بخيانة الثورة والمصريين والركوع للعسكر، قبل أن تبدأ عصابة العسكر تلفيق اتهامات له في قضايا كانت قد أُغلقت مع وصوله السلطة، في مقدمتها قضية حصار “قصر الاتحادية”.

هذه القضية تحديدا أغلقتها النيابة في عهده ثم أعيد اتهامه فيها ليصدر عليه حكم بالسجن المؤبد، ولم يحظَ مرسي بمحاكمة عادلة خلال السنوات الست، كانت محاكمته ظاهرها العدل وباطنها الظلم، فالرجل الذي لم يُسمح له بتلقي العلاج خارج السجن، واجه اتهامات في قضايا لا صلة له بها، وادعاءات ليس لها أي أساس من الصحة، كما لم يجد من ينصفه، فالقضاة الذين يحاكمونه هم أنفسهم الذين حاول عزل عدد كبير منهم لكونهم فاسدين، فكانت جميع جلسات محاكمته أشبه بمحاولات الانتقام منه، إلا ان الجلسة رفعت يوم 17 يونيو 2019 بأمر قاضي السماء، ورفعت روح الرئيس الشهيد محمد مرسي عالية إلى السماء، ودفن في مقابر الجماعة في مدينة نصر.

Facebook Comments