رفض الجنرال عبد الفتاح السيسي، قائد الانقلاب العسكري، طلب الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، التجديد للرجل الثاني في المشيخة وهو الدكتور عباس شومان، وكيل الأزهر، الأمر الذي عدّه مراقبون انعكاسًا لعدم رضا مؤسسة رئاسة الانقلاب عن مواقف شيخ الأزهر والمؤسسات الدينية الرسمية التابعة له، وعلى رأسها هيئة كبار العلماء، ومجمع البحوث الإسلامية.

كان المؤقت عدلي منصور، قد عين شومان وكيلا للأزهر لمدة 4 سنوات  بناء على اختيار الطيب، من سبتمبر 2013 حتى 2017، وقبل أن تنتهي الفترة مدها السيسي استجابة لطلب شيخ الأزهر لمدة عام في سبتمبر 2017. لكنه رفض التجديد لشومان عاما آخر؛ وهو ما يخالف رغبة شيخ الأزهر الذي بادر على الفور بتعيين شومان، أمس الإثنين 03 سبتمبر 2018، أمينا عامًا لهيئة كبار العلماء.

كما أصدر الطيب قرارا بتكليف الشيخ صالح عباس، رئيس قطاع المعاهد الأزهرية بالقيام بأعمال وكيل الأزهر الشريف، لحين اختيار شخصية جديدة بعد رفض التجديد لشومان؛ وقالت مصادر بالمكتب الفني لشيخ الأزهر: إن “شومان” جمع متعلقاته من مكتبه بوكالة الأزهر وانتقل إلى مكتبه كأمين عام لهيئة كبار علماء الأزهر الشريف.

رغبات الجنرال

الدلالة الأولى والأهم لرفض السيسي وأجهزته الأمنية التجديد لشومان، هي الضغط على مشيخة الأزهر من أجل مزيد من التجاوب مع رغبات الجنرال في أطروحاته التي رفضها الأزهر الشريف، والتي تتعلق بمزاعم تجديد الخطاب الديني التي يتبناها الجنرال وأركان نظام العسكر، مثل الموقف من أموال الوقف، والتي تقدر بمئات المليارات، حيث كان الأزهر وهيئة كبار العلماء حصن الشعب في حماية أموال الوقف من مطامع الجنرال الذي أراد استغلال هذه الأموال الضخمة في مشروعاته الوهمية، لكن الأزهر رفض ذلك وأعلن عن أن وقف الواقف كشرع الشارع لا يجوز التهاون فيه أو التنازل عنه تحت أي مزاعم، وأنه لا يجوز استغلال أموال الوقف إلا على ما حدده الواقفون. كما أن هيئة كبار العلماء وقفت بالمرصاد لدعوات السيسي بعدم الاعتداد بالطلاق الشفوي إلا إذا تم توثيقه، وأكدت أن ذلك يخالف النصوص والإجماع ويجعل الناس يعيشون في زنا دائم تحت مزاعم التوثيق. لذلك صاحب رفض السيسي وأجهزته الأمنية التجديد لشومان دعوة المشيخة لترشيح شخصيات أخرى للمنصب “تكون لديها القدرة على النهوض بدور الأزهر، ونشر الفكر المستنير”.

الإخوان

الدلالة الثانية، هي رسالة من رئاسة الانقلاب وأجهزته الأمنية، باقتناعهم نسبيا بالاتهامات التي طالت الشيخ عباس شومان بتعاطفه مع الإخوان، وأنه يمثل الجماعة داخل الأزهر، رغم النفي المتكرر من الطيب وشومان، وكان الطيب قد استجاب سابقا للضغوط وأبعد الدكتور محمد عمارة من هيئة كبار العلماء ومجمع البحوث الإسلامية وإشرافه على مجلة الأزهر، رغم احترام الطيب الكبير للدكتور عمارة، لكنه استجاب للضغوط حرصا على عدم التصادم مع نظام 30 يونيو العسكري. وهو ما تفهّمه الدكتور محمد عمارة، ونأى بنفسه عن أي منصب في مؤسسات الأزهر، مكتفيًا بدوره كعالم ومفكر إسلامي يحظى باحترام واسع من جميع المؤسسات الإسلامية في العالم.

وكان الصحفي إبراهيم عيسى قد اتهم شومان بأنه “خطيب مرسي”، واتهمه آخرون بأنه داعشي الفكر عندما رفض تكفير أنصار تنظيم الدولة؛ حتى لا يتورط في تكفير من يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، رغم الرفض لما يقومون به من جرائم وانحرافات، وتفسير الرفض هو الخوف من تورط الأزهر في التكفير؛ فيتساوى الأزهر مع الدواعش سواء بسواء.

وتحت عنوان “التجديد لعباس شومان خطأ كبير فى حق الأزهر”، طالب رئيس التحرير التنفيذي لليوم السابع والمقرب من جهات سيادية في مصر، دندراوي الهواري، بعدم التجديد لشومان، متهما إياه عبر مقال بالجريدة، بأنه “الرقم الصحيح والفاعل فى معادلة أخونة الأزهر”، مضيفا أن “استمراره بمنصبه النافذ لمنارة الإسلام الوسطي بالعالم، لغز محير، وعلامة استفهام كبرى، ومدهشة، وتمثل عجيبة”، متهما إياه باستغلال منصبه وتعيين أقاربه.

وتوقع متابعون عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أن تطال شومان اتهامات بعد خروجه من منصبه أو أن يتم ضمه لقوائم الإرهاب، خاصة في ظل عدم رضا جهات سيادية حول أدائه، لكن تعيين الطيب له أمينًا عامًا لهيئة كبار العلماء ربما يحصنه نوعًا ما من انتقام السلطة التي تتعامل مع الشبهات باعتبارها أدلة وقرائن لا تقبل الشك.

شيخ الأزهر

الدلالة الثالثة هي بمثابة رسالة للشيخ الطيب وقيادات الأزهر، أن النظام غير راض عن سياساته المستقلة بالأزهر بمنأى عن بعض سياسات الدولة”، وسط توقعات بأن التغيير ربما يطول شيخ الأزهر نفسه، وتعيين شيخ جديد يكون أكثر تجاوبًا وركوعًا للنظام، خصوصا أن النظام منذ عدة شهور بدأ في سياسة جديدة يؤكد فيها أنه لا عزيز لديه على الإقالة، فقد أطاح السيسي في أكتوبر 2017 بصهره محمود حجازي من رئاسة الأركان، ثم اللواء خالد فوزي من رئاسة المخابرات العامة في فبراير 2018، ثم صديقه صبحي صدقي من وزارة الدفاع، والخميس الماضي أطاح باللواء محمد عرفان من الرقابة الإدارية رغم مخالفة ذلك للدستور والقانون، فالرسالة واضحة أنه لا عزيز عند قائد الانقلاب مهما كانت خدماته للنظام، وقبل ذلك بسنوات أطاح بالمستشار هشام جنينة من رئاسة الجهاز المركزي للمحاسبات، في مخالفة صارخة للدستور والقانون، وتأكيدا لعدم استقلالية الجهات التي يفترض وفق الدستور أنها مستقلة مثل الجهاز المركزي للمحاسبات ومشيخة الأزهر وغيرها.

وحول مستقبل العلاقة بين الأزهر ورئاسة الانقلاب، فعلى الأرجح أن يتصاعد مستوى التوتر وعدم التجاوب بين الطرفين خلال الأسابيع والشهور المقبلة، التي ربما تشهد تطورات مثيرة في ظل رغبة السيسي في توظيف أموال الوقف بمخالفة نصوص الشرع، وموقف هيئة كبار العلماء التي حسمت المسألة دون تردد، وبذريعة تجديد الخطاب الديني وبطء الأزهر في التجاوب مع رغبات السيسي، ربما يطيح النظام بالطيب وتعيين شخصية تكون أكثر تجاوبا وانبطاحا مثل مستشار السيسي للشئون الدينية أسامة الأزهري، أو من عينة مختار جمعة أو علي جمعة، وكلاهما من العمائم التي تحظى برضا كامل من رئاسة الانقلاب وأجهزته الأمنية.

رابط دائم