على عكس ما تروجه وسائل الإعلام الموالية للنظام العسكري في مصر، كشفت دراسة عبرية أن حدود الدور المرسوم لزعيم الانقلاب عبدالتفاح السيسي في غزة هي القيام بثلاثة مهام قذرة: الأولى هي العمل على هدم أسطورة المقاومة والثانية الارتفاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى التحالف الاستراتيجي، والثالثة هي خدمة مصالح الكيان الصهيوني.

وفي تقدير موقف لورقة بحثية أعدّها عيران ليران، نائب رئيس “مركز يروشليم للدراسات الاستراتيجية والأمنية”، أكد أن احتكار نظام عبد الفتاح السيسي في مصر ملف الوساطة بين تل أبيب وحركة “حماس” يعدّ “ذخرا استراتيجيا” لإسرائيل، ويساعدها على تطبيق استراتيجيتها القائمة على “إدارة الصراع” مع قطاع غزة، مشددا على أن لتل أبيب “مصلحة كبيرة في تعزيز قدرة النظام على مواصلة لعب هذا الدور”.

وحول النتائج المترتبة على فشل الجهود التي يقوم بها نظام السيسي لخدمة الكيان الصهيوني والتي تستهدف تطويع فصائل المقاومة في غزة ومنعها من استهداف ما أسماه بالعمق الإسرائيلي يرى ليران ضررة شن “إسرائيل” حربا عسكرية بكل قوة من أجل استعادة الردع”؛ حيث تشدد الورقة البحثية على أن “العمل على تأمين الردع أهم من المصالح السياسية في العلاقة مع مصر”.

أولاً- هدم أسطورة المقاومة:

تقدير الموقف الذي أعده ليران والذي سبق أن تولى مواقع مهمة في مجلس الأمن القومي والاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، بحسب الباحث المتخصص في الشأن الإسرائيلي الدكتور صالح النعامي، أوضح أن توظيف نظام السيسي أوراق القوة التي تمتلكها مصر في فرض تفاهمات التهدئة مع إسرائيل يساعد في المس بـ”أسطورة المقاومة”، التي تتشبّث بها الفصائل الفلسطينية في القطاع.

وأوضح أن ممثلي الأجهزة الأمنية المصرية، الذين يتواصلون مع حركة “حماس”، يمنحونها “إحساساً بالقيمة الدبلوماسية”، لكن جهودهم تكتسب قيمة استراتيجية كبيرة، “ليس لإسرائيل فحسب، بل لكل الأطراف التي تملك جدول أولويات مشتركاً معها”.

وأضاف أن طريقة توظيف إسرائيل للدور المصري في غزة تشبه طريقة توظيفها للدور الروسي في سورية، مشيرا إلى أن تل أبيب تستخدم نظام السيسي في “نقل رسائل تهديد شديدة اللهجة إلى قيادة حركة “حماس””، وكذلك إلى أن الدور المصري يجعل إسرائيل متحررة من إجراء حوار مباشر مع الحركة، على اعتبار أن الحركة تدعو إلى تدميرها.

وحسب عيران، فإن نظام السيسي يوظف أهمية مصر الجيوسياسية بالنسبة لقطاع غزة في الضغط على حركة “حماس” وإجبارها على الاستجابة لطلبات القاهرة.

وحسب الورقة، فإن “محاولة الحفاظ على التهدئة في القطاع تمثّل مصلحة مشتركة لكل من مصر وإسرائيل، على اعتبار أن تدهور الأوضاع الاقتصادية وتعاظم الفوضى يمكن أن يفضي إلى دفع الغزيين إلى اختراق الحدود مع مصر، وهو ما يمثل سيناريو رعب للقاهرة”.

ثانيا- شراكة استرتيجية:

وثانيا يشير تقدير الموقف إلى أن الجهود التي تقوم بها مصر ونجاحها في التوصل إلى تفاهمات تهدئة في القطاع تأتي في إطار “الشراكة” الاستراتيجية بين تل أبيب والقاهرة، مبرزا أن الدور المصري يسهم في “تآكل المسوغات” التي تستند إليها حركة “حماس” في تبرير استهداف إسرائيل انطلاقاً من القطاع.ولفتت الورقة إلى أن نظام السيسي يتمكن من التوصل إلى تفاهمات تهدئة مقابل بوادر اقتصادية لا توفر حلولاً للمشاكل الاقتصادية التي يواجهها القطاع من جراء التعقيدات الأمنية والسياسية.

ويرى ليران أن التعاون بين إسرائيل ومصر في عهد السيسي تطوّر بشكل غير مسبوق، لافتا إلى أن الجانبين يتعاونان في مواجهة تحديات مشتركة، على رأسها التشكيلات المسلحة في سيناء، والنفوذ التركي في حوض البحر الأبيض المتوسط، إلى جانب حرصهما على التكامل في مجال اقتصاديات الطاقة. ويضيف أن مبادرة مصر لتدشين “منتدى الطاقة”، الذي يضم عددا من دول حوض البحر المتوسط، وضمنها إسرائيل، يعكس التحول الذي شهدته العلاقة على صعيد الاقتصادي، مبرزا أن تل أبيب تأمل أن يسهم هذا التعاون في التأثير إيجاباً على موقف الشعب المصري من إسرائيل.

ثالثا- خدمة مصالح “إسرائيل”:

ويؤكد ليران في ورقته البحثية أنه على الرغم من ما أسماها “المعاناة التي يواجهها المستوطنون في منطقة غلاف غزة”، إلا أنه لا توجد استراتيجية أفضل من “إدارة الصراع” في التعاطي مع غزة، والتي يسهم نظام السيسي في تمكين تل أبيب من تطبيقها، مشيرا إلى أن “هذه الاستراتيجية هي الأفضل حتى لو لم تفض إلى حسم المواجهة مع حركة “حماس””.

وحسب عيران، فإن جميع البدائل التي يمكن اقتراحها كبديل لاستراتيجية إدارة الصراع “صعبة ومكلفة، فضلاً عن أن هناك شكوكاً كبيرة حول فرص نجاحها في النهاية”.وأشار إلى أن النظام المصري يجمع في تعاطيه مع “حماس” بين إغراءات وبوادر حسن نية، وضغوط ذات قيمة، ما يجعل الدور المصري في الوساطة مهماً وذا جدوى.

مكسبان للسيسي؟

وحول المقابل الذي يتلقاه نظام السيسي جراء القيام بهذه الأدوار القذرة لخدمة مصالح الكيان الصهيوني يشير ليران إلى المكاسب التالية:

أولا: نظام السيسي يرى أن إسهامه في التوسط بين إسرائيل و”حماس” يضفي صدقية على دوره الإقليمي ويبرزه كضمانة للاستقرار في المنطقة، وهو ما يعزّز مكانته لدى الغرب ولدى القوى الإقليمية التي تدعمه بالمال.

ثانيا: الحفاظ على هذا الدور يكتسب أهمية كبيرة بالنسبة لنظام السيسي، لأنه يساعده في مواجهة حملة الانتقادات التي يتعرض لها في الغرب، وتحديداً من قبل أوساط داخل الكونغرس وأوروبا، بسبب سجله في انتهاكات حقوق الإنسان.

رابط دائم