كتب يونس حمزاوي:

على عكس الرئيس السابق باراك أوباما الذي اختار القاهرة لتكون محطة زيارته الأولى للمنطقة العربية قبل 8 سنوات، يفضل الرئيس الحالي دونالد ترامب البدء بزيارة الرياض لا القاهرة.. لتكون محطته الأولى بالمنطقة العربية، وهي الزيارة المرتقبة التي تبدأ إلى الرياض يوم 19 مايو الجاري، وتضم أيضا "إسرائيل" والفاتيكان.

وتؤكد تقارير إعلامية أن مستشاري ترامب قد وصلوا لاستنتاج مفاده أن السعودية هي أهم حليف عربي للولايات المتحدة بالشرق الأوسط، ليس فقط كونها تمتلك أكبر احتياطي نفطي بالعالم، بل أيضا بسبب مكانتها الدينية والإقليمية في ظل تراجع دور ونفوذ القاهرة مؤخرا.. لا سيما بعد انقلاب 3 يوليو 2013م.

وحسب مراقبين فإن اختيار ترامب زيارة السعودية في أول جولة خارجية له، ينطوي على كثير من الدلالات، أهمها اعتبارها زعيمة العالم العربي السني، وكذلك رغبته في إثبات عدم عدائه للمسلمين.. إضافة إلى عدة أسباب أخرى نرصد بعضها في هذا التقرير.

تراجع دور القاهرة وانحسار نفوذها
أول هذه الأسباب هو تراجع دور القاهرة وانحسار نفوذها في المنطقة لا سيما بعد انقلاب 3 يوليو 2013مـ ذلك أن القاهرة في عهد مبارك وصولا إلى مرحلة ما بعد الثورة كانت محط أنظار واهتمام العالم كله، وكانت ثورتها في 25 يناير 2011م ، وتجربتها الديمقراطية الوليدة مصدر إلهام للعالم كله، حتى إن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أواخر عام 2012 إبان عهد الرئيس مرسي، كانت القاهرة هي الصوت الأقوى والمسوع على مستوى العالم كله، والتي وقفت موقفها فريدا من نوعه لأول مرة في المنطقة، حيث هدد الرئيس محمد مرسي حكومة الكيان الصهيوني بوقف العدوان فورا، وأن يتقوا غضبة شعب وجيش، أرسل رئيس الحكومة الدكتور هشام قنديل لزيارة القطاع وسط تواصل القصف، وكانت التنسيق كله يمر عبر القاهرة دون غيرها من عواصم المنطقة العربية.

يؤكد ذلك ما ذكره المحلل السياسي بشير نافع، بأنه لا بد من الاعتراف بأن مصر لم تعد ينبوع الضمير العربي، ولم تعد هي صانعة الثقافة العربية، فالتعليم المصري قد انهار منذ فترة، والفنون المصرية في حالة انحلال، في حين أن وسائل الإعلام المصرية مصدر عار. وتعاني مصر من أزمةٍ اقتصادية من المُرجَّح أن تستمر لعدة عقود.

بل إن مصر التي كانت  منارة الشرق باتت أكبر متسول في المنطقة وتقوم على المساعدات المالية من دول الخليج الرياض وأبو ظبي، إضافة إلى القروض من صندوق النقد والبنك الدوليين.

ويشير نافع في مقاله إلى أن ثورة 25 يناير 2011 كانت بمثابة شرارة الأمل بالنسبة لمصر. إلا أن انقلاب يوليو 2013 سرعان ما أطفأ تلك الشرارة، مُستأنفاً التراجع. ومنذ ذلك الوقت والوضع في مصر أسوأ بكثير من أي وقتٍ مضى. فمصر تتطلب تفكيكاً كاملاً وجذرياً للهياكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية الحالية لإعادة بناء دولة جديدة من الصفر.

مكاسب أمريكا الضخمة
أما ثاني الأسباب وراء اختيار ترامب للرياض لتكون محطته الأولى في زيارته للمنطقة المرتقبة للمنطقة أواخر مايو الجاري، هو "إعادة بناء الشراكة الإستراتيجية بالشرق الأوسط"،  وأهم بنودها صفقات السلاح الضخمة بين الجانبين حيث تم الكشف مؤخرا عن أكبر صفقة سلاح في العالم، تزيد قيمتها على 500 مليار دولار تدفع على 10 سنوات بين واشنطن والرياض.

وكشف مسؤول بالبيت الأبيض أن الولايات المتحدة على وشك استكمال سلسلة من صفقات الأسلحة للسعودية  تبدأ بصفقة تزيد قيمتها عن 100 مليار دولار.

وقال المسئول في تصريحات لوكالة رويترز، "إننا في المراحل الأخيرة من سلسلة صفقات"، وأضاف أن هذه الحزمة يجري ترتيبها كي تتزامن مع زيارة ترامب للسعودية، وقد تزيد في نهاية الأمر عن 300 مليار دولار خلال 10 سنوات لمساعدة السعودية على تعزيز قدراتها الدفاعية.

ولا شك أن هذه الصفقات سوف تنعش خزانة شركات السلاح في أمريكا والتي شهدت بعض الركود على مدار 8 سنوات هي فترة حكم أوباما. وتأتي مكافأة من جانب الرئيس الأمريكي لهذه الشركات على دعمها الكبير له في سباق الرئاسة والذي انتهى بفوزه وتتويجه رئيسا.

تجميل صورة ترامب
واختار ترامب السعودية أيضا بحسب المحلل الإسرائيلي "يوني بن مناحيم"؛ لأنها تضم الأماكن المقدسة في الإسلام في مكة والمدينة، لتبديد المزاعم بأنه يكره المسلمين، ولإظهار أن الولايات المتحدة عازمة على تعزيز الحوار بين الحضارات والأديان.

ويجهز السعوديون الآن الرأي العام في العالم العربي والإسلامي استعدادا لزيارة الرئيس ترامب الذي يُنظر له في الكثير من الدول كعنصري وكعدو للإسلام. ويوضحون أن هذه الصورة قد "ألصقت" به على يد خصومه في المعركة الانتخابية، وأنه في الحقيقة ليس كذلك.

قال وزير الخارجية السعودي عادل الجبير الأسبوع الماضي إن زيارة الرئيس ترامب "رسالة واضحة وقوية بأنه ليست هناك نوايا سيئة لواشنطن تجاه العالم العربي والإسلامي". وصرح الجبير في 9 مايو أن بلاده تنوي دعوة 17 زعيما لدول عربية وإسلامية للقاء الرئيس ترامب خلال زيارته للسعودية.

وبلا شك فإن معدل اللقاءات ومستوى المشاركين فيها يؤكدان بالفعل أن الحديث يدور عن زيارة "تاريخية" لرئيس أمريكي بالشرق الأوسط.

يتصدر الزيارة الخطر الإيراني الذي يمثل مصلحة مشتركة للولايات المتحدة والسعودية.

ويتوقع أن يناقش ترامب مع مضيفيه في السعودية الوضع في سوريا، ولبنان، واليمن في ضوء التدخل الإيراني المتزايد في تلك الدول، ويعتبر الرئيس ترامب إيران الداعم الأول للإرهاب ليس فقط بالشرق الأوسط بل في العالم بأسره، لذلك هناك حاجة فورية لكبح زمامها.

مؤتمر سلام مع إسرائيل بمشاركة سعودية
ولعل أبرز أسباب اختيار ترامب للرياض لا القاهرة هو سعي الرئيس الأمريكي لإطلاق مؤتمر سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين بمشاركة عربية واسعة على رأسها المملكة العربية السعودية التي باتت مركز الثقل في العالم العربي والإسلامي.

بل إن هناك مؤشرات تشير إلى دخول المملكة كطرف في عملية سلام مرتقبة وهي الصفقة الكبرى التي يممهد لها ترامب وتضمن سلام الكيان الصهيوني وسط إمارات عربية فاسدة وفاشلة.

فهناك قضايا أخرى يتوقع طرحها خلال زيارة ترامب للسعودية، هي الحرب على إرهاب داعش واستئناف المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية تحت "مظلة عربية". تصريحات المضيفين السعوديين إيجابية في هذا الصدد، وقال الجبير إن فرص التوصل لاتفاق سلام بين إسرائيل والفلسطينيين "جيدة" كون الرئيس ترامب يتبع نهجا "جيدا".

رابط دائم