“عمري ما هبيع ليكم الوهم”.. بهذه الكلمات أراد عبد الفتاح السيسي طمأنة المصريين في ظل اتهامات تلاحقه دومًا، بالإعلان عن مشروعات وهمية لا يجني الشعب منها شيئًا.

وتحطمت آمال المصريين التي عقدوها على مؤتمر دعم الاقتصاد المصري في شرم الشيخ بعد مرور 4 سنوات بعدما نشر العسكر أكذوبة” الدهب والياقوت والمرجان” للشعب خاصة فى ظل ترويجهم بأن حصاد المشروعات المعلنة أنذاك 175 مليار دولار.

مضى 4 أعوام على مؤتمر دعم وتنمية الاستثمار المصرى، والذي عرف إعلاميًا بالمؤتمر الاقتصادي الأول بعد استيلاء السيسي على مقعد الرئاسة ، وهو المؤتمر الذي عقد في مارس 2015 بمدينة شرم الشيخ، وسط حالة من التفاؤل لدى أنصار وحاشية الانقلابيين الطامعين في “لبن الثور” وبأن ينقذهم المؤتمر من الكبوة الاقتصادية التي تمر بها مصر منذ الانقلاب.

مرت 4 سنوات، لكن المواطن المصري فوجئ مع الذكرى الرابعة بتدهور حاد في الاقتصاد، والأحوال المعيشية، وارتفاع سعر الدولار أمام الجنيه، وتراجع الاحتياطي النقدي، فضلا عن عدم تنفيذ أي من المشروعات المعلنة لتضاف إلى قائمة “الفنكوش”، وهو الأمر الذي أرجعه الخبراء إلى عدم جدية الحكومة في توفير المناخ الجيد للاستثمار.

وبالرغم من 4 سنوات على المؤتمر الاقتصادي، إلا أنه وحتى هذه اللحظة لم ينفذ مشروع واحد من المشروعات التي قالت الحكومة، إنها تعاقدت على إنشائها كما لم يشعر المواطن بتحسن في الوضع الاقتصادي للدولة.

أوهام

يقول “خالد الشافعي” الخبير الاقتصادي: إن من أهم أسباب عدم تنفيذ أغلب مشروعات المؤتمر هو عدم تحديد جهة مختصة للتواصل مع المستثمرين، وعدم الإعلان عن ملكية الأراضي المقرر إقامة المشروعات عليها والجهات التابعة لها، فضلا عن البيروقراطية والفساد في الجهاز الإداري، وعدم وجود قوانين تساعد على جذب المستثمرين، وغياب الرؤية الاقتصادية المتكاملة لدى حكومة الانقلاب.

وفي السياق ذاته أعرب الدكتور إيهاب الدسوقي، أستاذ الاقتصاد ومدير مركز البحوث بأكاديمية السادات، عن أسفه الشديد لعدم توافر أي معلومات عن الاتفاقيات والعقود التي أبرمتها الحكومة المصرية مع المستثمرين والشركات التي شاركت في مؤتمر شرم الشيخ في مارس الماضي.

وأوضح “الدسوقي” في تصريحات صحفية، أن الشعب كان يبني آمالاً عريضة على المؤتمر الاقتصادي لتحسين الأحوال الاقتصادية والاستثمارية في البلاد، إلا أن عدم سعي حكومة الانقلاب الجاد في تهيئة المناخ الاستثماري تسبب في شعور عام لدى المصريين بالإحباط، كما أنه لم يتم تنفيذ أي من المشروعات والاتفاقيات التي أبرمتها الحكومة مع المستثمرين على أرض الواقع.

معنديش.. مفيش

وفي أبريل الماضي، كشفت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن معدل التضخم في البلاد سجل أعلى مستوى له منذ الحرب العالمية الثانية، مرتفعًا أكثر من 32%، وهو ما يعادل 3 أضعاف المعدل الذي كان عليه قبيل ثورة 25 يناير 2011.

أما الدين العام المحلي فقد وصل لأرقام قياسية، وفق بيانات البنك، حيث ارتفع مسجلًا 3.16 تريليون جنيه بنسبة 91.1% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية يونيو الماضي، بعد أن كان 2.61 تريليون جنيه بنهاية يونيو 2016.

تلك الأزمة الاقتصادية لم تخفِها الدولة، بل انعكست على تصريحات السيسي نفسه في مؤتمر صحفي عالمي بجوار نظيره الفرنسي “إيمانويل ماكرون” أكتوبر الماضي، ورباعيته الشهيرة: “معندناش تعليم جيد.. معندناش علاج جيد.. معندناش توظيف.. معندناش إسكان”.

دهب ياقوت مرجان

وبرغم تعامل السلطة مع المؤتمر الاقتصادي بوصفه إنجازا ضخما، واعتبرته وسائل الإعلام الموالية للعسكر بوابة دخول مرحلة الرخاء الاقتصادي، وذهب وزير الاستثمار الانقلابى وقتئذ إلى إعلان وصول قيمة الاتفاقيات الموقعة خلال المؤتمر إلى 130 مليار دولار.

لكن المستقبل حمل واقعا مغايرا بعد سنوات المؤتمر، إذ لم تنفذ غالبية الاتفاقيات التي لم تكن سوى مذكرات تفاهم، كما خسر الجنيه أكثر من ربع قيمته أمام الدولار بعد أشهر قليلة من انعقاد المؤتمر.

وليس أدل على فشل المؤتمر الاقتصادي من سعي النظام للاستدانة من مؤسسات دولية مثل صندوق النقد الدولي، وارتفع الدين الخارجي إلى 46 مليار دولار، والدين المحلي إلى 2.259 تريليون جنيه بنهاية العام الماضي.

وفي الوقت الذي تختنق فيه العاصمة القاهرة بأزمات المرور والعشوائيات والتلوث وانقطاع الكهرباء والمياه وانسداد الصرف الصحي، افتتح المنقلب ” أكبر مسجد وكاتدرائية ” فى العاصمة الإدارية .

ضاعت فلوسك يا صابر

من بين فناكيش المؤتمر، محور تنمية قناة السويس الذي افتتحه المنقلب في أغسطس 2017،إذ صور المشروع بوصفه مجرى ملاحيا جديدا يوازي القناة الأصلية رغم أنه لا يتعدى كونه تفريعة طولها 37 كيلومترا،إلا انه مع مرور الوقت خرج السيسى بأن الأمر كان مشروعا لرفع الروح المعنوية طالتة مليارات من الجنيهات كخسائر.

ورغم توقعات رئيس هيئة قناة السويس اللواء مهاب ممش بأن تبلغ عائدات القناة مئة مليار جنيه سنويا بافتتاح التفريعة، فإن الإيرادات انخفضت العام الماضي إلى 5.175 مليارات دولار بنقص بلغ 290 مليون دولار عن عام 2014.

وأكد تقرير الملاحة الصادر عن قناة السويس، تراجع الإيرادات خلال السنوات الأربع الماضية بنسبة 5.2%.

وحدات سكنية

وكان مشروع إنشاء مليون وحدة سكنية حاضرا فى سلسلة الأكاذيب، لكن مصيره انتهى بعدم التنفيذ، ففي أكتوبر قبل الماضى أعلنت حكومة الانقلاب التراجع عن المشروع لخلاف مع الشركة المنفذة.

واستبدلت المشروع بآخر للإسكان المتوسط والاستثماري، لكن حتى هذا الأخير خفضت الحكومة دعمه في الموازنة الجديدة بنسبة 25%.

أما مشروع استصلاح 1.5 مليون فدان ، فقد سلك نفس المنحنى من الفشل وذلك بعد تحذير خبراء مياه من عدم توفر مياه جوفية لزراعة تلك المساحة، بخلاف مخاطر انخفاض حصة البلاد من مياه النيل بسبب سد النهضة الإثيوبي.

أما مشروع إنشاء الشبكة القومية للطرق بطول 4400 كيلومتر خلال عام واحد فقد صاحبه كوارث أقلها أن مصر باتت ضمن الدول الأولى فى حوادث الطرق ولم يشفع للسيسى حديثه مع “لميس الحديدى وإبراهيم عيسى” أذرع الانقلاب عندما أخبرهم أنه سينفذ “شبكة طرق كده”.

من جيب الشعب

أما قطاع الطاقة- بجناحيه الكهرباء والبترول-الذى استحوذ على نصيب الأسد، بدعم السيسى نفسه، تصدرته أعمال وتعاقدات شركة «سيمنس» الألمانية، لزيادة الطاقة الإنتاجية للكهرباء، جاء الرد سريعا من حكومة الانقلاب التى بادرت برفع أسعار الشرائح للمستهلكين فى المنازل من أجل دفع فاتورة الشركة الألمانية.

وفى مجال البناء والعقارات، بقى الوضع على ما هو عليه، إذ فشلت حكومة الانقلاب فى تمرير إتفاقيات بينها وبين الإمارات والسعودية لإنشاء مدن سياحية على أنقاض الغلابة من المواطنين ،وما حدث قبل سنوات وجار الأن من إخلاء “مثلث ماسبيرو والوراق وجزيرة الدهب” .

سبق وأن تعهد العسكر بإقامة مشروعات تابعة لوزارة الإسكان ،إذ تم تحويل 6 مذكرات تفاهم بالمؤتمر إلى عقود وفق تصريحات وزراء العسكر، وإن المستثمرين تسلموا الأرض بالفعل لإقامة المشروعات عليها، وبدأوا التصميمات،وأن حجم الاستثمار بهذه المشروعات يفوق الـ100 مليار جنيه، إلا أن الواقع يؤكد كذب تلك المشاريع التى لم تبدأ من الأصل على أرض الواقع خاصة مع هروب شركات الصين والإمارات منها .

المركز العالمي للحبوب

ومن ضمن المشروعات التى تمت مناقشتها وطرحها خلال المؤتمر الاقتصادي انذاك، مشروع إنشاء المركز اللوجيستى العالمى للحبوب وهو مشروع لتخزين وتداول الحبوب، يُمكن مصر من التحكم الاستراتيجى فى الغذاء، ويجعلها محورًا دوليًا لتداول وتخزين الحبوب والسلع الغذائية….فيما تتفاققم أزمة الغذاء بصورة يومية، بلغت ذروة تأثيراتها الكارثية على المواطن البسيط.

وبلغت التكاليف المبدئية للمشروع حوالى 15مليار جنيه، بالإضافة إلى تكاليف الإنشاءات للمصانع الملحقة بالمشروع، ورغم ذلك لم يتم اتخاذ أى إجراءات فعلية لتنفيذ المشروع .

 “زايد كريستال“

رابع المشروعات التى وعدت حكومة الانقلاب بإنشائها، هو مشروع إدارى تجارى ترفيهي، ويتميز بارتفاع مستوى المعيشة، بمدينة الشيخ زايد، والذى سيحتوى أعلى برج فى مصر، بطول ٢٠٠ متر، ولم يتم الشروع في تنفيذه حتى الآن.

الخبير الاقتصادي الدكتور أشرف دوابة أكد أن ما ذكر فى المؤتمر فقط كان مجرد”شو إعلامي” كونها مشروعات باهظة التكاليف وبسيطة العائد، واصفا إياها بـ”الفنكوش” (وهو تعبير بالعامية المصرية يطلق على الوهم).

وأضاف أن حكومة الانقلاب تخدّر الشعب بمسكنات اقتصادية تتسبب في ارتفاع الدين الداخلي والخارجي، مما يهدد البلاد بالإفلاس في وقت لاحق.

وقال إن النظام ابتعد عن تحقيق تنمية حقيقية وتوفير فرص عمل للشباب، في مقابل الهرولة وراء مشروعات تفتقر للأولويات وتغرق الأجيال القادمة في الديون.

“إدمان الوهم”

ولعل هذا الواقع يدفع بجدية إلى التساؤل حول حقيقة السر وراء ما يمكن أن نسميه إدمانًا من قبل السيسي ونظامه على بيع الوهم للمصريين طوال السنوات الماضية.

التفسير الأول، ربما يكمن في أن تلك المشاريع من المشروعات الضخمة التى يتم الإعلان عنها بمثابة “تستيف” أوراق وملء خانات سوف تتضمنها قائمة الإنجازات المرتقبة التي يزعم السيسى نشرها فى إطار استكمال حلقات البقاء على كرسى مصر الرئاسى.

لكن ثمة غرض آخر غير سياسي، وهو الحصول على ما تبقى من أموال المصريين ومدخراتهم تحت شعار المشاركة في تنمية البلد، على غرار شهادات استثمار قناة السويس الجديدة، وصندوق “تحيا مصر” الذي تحول من تبرع اختياري إلى جباية إجبارية في جميع المصالح والهيئات الحكومية.

رابط دائم