المبارزة الكلامية التي جرت بين الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وزعيم الانقلاب عبدالفتاح السيسي خلال الاحتفالية التي نظمتها وزارة الأوقاف بمناسبة المولد النبوي الشريف؛ كشفت قدرًا من الحرب الخفية بين الطرفين، السيسي من جهة ومشيخة الأزهر وهيئة كبار العلماء من جهة ثانية.

وكان خطاب الإمام الأكبر حاسمًا في اتهام الطاعنين في السنة النبوية الشريفة، ومنهم السيسي، بأنهم يستهدفون الإسلام ذاته؛ ذلك أن السنة هي المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن الكريم، بينما وصفها جنرال الانقلاب بأنها “مجرد كلام ناس”، في إشارة إلى الرواة، وهو ما دأبت عليه أعداء الإسلام في الطعن في السنة من خلال الرواة رغم الجهود العلمية الضخمة التي بذلها علماء الإسلام في علم الرجال “الجرح والتعديل” وتوثيق السينة وتمييز الصحيح من الضعيف منها، وهو علم لا مثيل له في جميع أنحاء العالم.

ما يعنينا هنا هو محطات الحرب الحفية بين السيسي ومؤسسة الأزهر الشريف ذلك أن مسألة الطعن في السنة قد تناولناها في تحليل سابق.

البداية.. مجزرة رابعة

أولى المحطات: رغم وضوح الخلاف المتجدد بين السيسي وشيخ الأزهر حول ما يُوصف بـ”تجديد الخطاب الديني”، فإن البعض يرى أن جذور الأزمة تعود إلى أسباب سياسية، وتحديدًا إلى يوم فض اعتصام رابعة العدوية في 14 أغسطس 2013، والذي راح ضحيته أكثر نحو 3 آلاف مصري مسالم، فعلى العكس من كل مؤسسات الدولة؛ استنكر شيخ الأزهر فض الاعتصام بالقوة، وأعلن يومها أنه لم يعلم بقرار الفض إلا عبر وسائل الإعلام.

ورغم مشاركته في بيان انقلاب 3 يوليو 2013 الذي قاده السيسي عندما كان وزيرًا للدفاع، وتأييده لخارطة الطريق؛ أصدر الطيب بيانًا صوتيًا -أذاعه التلفزيون المصري مرة واحدة – تحدث فيه عن حرمة الدماء، داعيًا جميع الأطراف لضبط النفس، ومؤكًدا أن الحل السياسي هو الطريق الوحيد لحل الأزمة، وترحم على الضحايا معزيًا أسرهم.

 

الدعوة لثورة دينية

المحطة الثانية: بدأت في مطلع يناير 2015 عندما أطلق جنرال الانقلاب دعوته الشهيرة التي أثارت ضجة كبيرة؛ حيث دعا إلى ثورة تجديد دينية للتخلص من “أفكار ونصوص تم تقديسها على مدى قرون وباتت مصدر قلق للعالم كله”، وأضاف: “لا يمكن أن يَقتل 1.6 مليار (مسلم) الدنيا كلَّها التي يعيش فيها سبعة مليارات حتى يتمكنوا هم من العيش”.

وهي الدعوة التي استغلتها أذرعه الإعلامية لشن حملة مسعورة ضد كل ما هو إسلامي، وهو ما دفع الأزهر للرد في أكثر من مناسبة، ودفع هذا الجدل الكبير السيسي إلى التراجع؛ بدعوى أن البعض فهم كلامه بالخطأ، ثم هدأت الحملة مؤقتًا بعد سجن الكاتب “إسلام البحيري” لمدة عام بتهمة ازدراء الإسلام، وهو الذي كان قد اشتهر بمقالاته وحلقاته التلفزيونية التي هاجم فيها التراث الإسلامي.

تقديم الاستقالة احتجاجًا

المحطة الثالثة: وأمام الحملات التي تعرض لها الأزهر وقياداته السنوات الماضية وبلغت في بعض الأحيان المطالبة بإغلاقه وإلغاء الجامعة، ودفع الطيب إلى تقديم استقالته، أحدثت زلزالاً داخل المؤسسة الدينية الأبرز في مصر، وهو ما انعكس بصورة أو بأخرى على تشويه العلاقة بينها وبين النظام الحاكم؛ الأمر الذي دفع السيسي إلى إلقاء اللوم على شيخ الأزهر في أكثر من مناسبة، في بعضها قال له نصًا: “تعبتني يا فضيلة الإمام”، وذلك في يناير 2017م، وذلك على خلفية رفض الأزهر رسميًا مقترحات السيسي بعدم الاعتراف بالطلاق الشفوي، وهي الدعوة التي قال السيسي إنها تهدف إلى الحد من ظاهرة الطلاق المنتشرة في مصر.

حيث اعتبرت هيئة كبار العلماء ذلك مخالفًا لنصوص السنة وكل ما أجمع عليه الفقهاء وأن القبول بذلك يجعل الناس يعيشون في حرام دائم وزنا مستمر، إثر هذه “المداعبة” انطقت حملة إعلامية ضد الأزهر، ركز بعضها على شخص أحمد الطيب، فيما تحدث آخرون عن مناهج الأزهر ووصفوها بـ”المتطرفة”، وانتقد البعض الآخر “تخاذل الأزهر” في مواجهة الإرهاب، بحسب وصفهم، وفي أبريل من العام نفسه، تقدم النائب المثير للجدل محمد أبو حماد بمشروع قانون إلى مجلس النواب، مدعومًا بتأييد نحو مئتي نائب، تضن تعديلات جوهرية على قانون الأزهر.

بالطبع كانت أبرز هذه التعديلات تتعلق بتحديد مدة ولاية شيخ الأزهر وطريقة اختياره، وضم غير الأزهريين إلى هيئة كبار العلماء – أعلى سلطة في الأزهر – وفصل جامعة الأزهر عن المشيخة، وفصل المعاهد الأزهرية عن المشيخة وإلحاقها بجامعة الأزهر.

وأثار القانون ضجة كبيرة وجدلا واسعا، باعتباره “هدما” للأزهر وليس تطويرا له، وهو ما دفع السلطات إلى تجميد القانون، وقال علي عبد العال، رئيس البرلمان: إن قانون الأزهر “صفحة وطويت”، إلا أن النائب محمد أبو حامد، عضو الأغلبية المقرب من الأجهزة الأمنية، يعيد طرح القانون بين الحين والآخر، ويؤكد أنه سيطرح التعديلات خلال دورة الانعقاد الحالية.

أموال الأوقاف

المحطة الرابعة: كانت تتعلق بأطماع السيسي في السطو على أموال الأوقاف، وكان قائد الانقلاب قد أعلن عن ذلك صراحة بدعوى استثمار أموال الوقف التي تقدر بحوالي “1000” مليار جنيه؛ حيث أرسلت اللجنة الدينية بالبرلمان خطابًا لمجمع البحوث الإسلامية تطلب فيه بيان الرأي الشرعي في النص التالي: (يجوز لرئيس مجلس الوزراء – وذلك في الوقف الخيري – تغيير شروط الواقف إلى ما هو أصلح، وذلك تحقيقًا لمصلحة عامة تقتضيها ظروف المجتمع).

وانتهى المجمع إلى أنه (لا يجوز شرعًا تغيير شرط الواقف، فشرط الواقف كنص الشارع، وعلى ذلك اتفقت كلمة الفقهاء قديمًا وحديثًا، ومن ثم لا يجوز بأى ذريعة مخالفة شرط الواقف، أو التصرف فى الوقف على غير ما شرطه، وبناء على ذلك لا يوافق مجمع البحوث الإسلامية على مشروع النص المقترح على خلاف هذه القواعد الشرعية المتفق عليها)، وهو الموقف الذي صدم السيسي ودفعه إلى توظيف ما يسمى بتجديد الخطاب الديني لابتزاز الأزهر بصورة مستمرة!

رابط دائم