ظاهرة الانتحار انتشرت فى المحافظات المصرية بنسق متسارع، بسبب تردى مستوى المعيشة فى ظل حكم العسكر، مما دفع منظمات حقوقية مصرية ودولية للمطالبة بمواجهة هذه الظاهرة الخطيرة.

الأرقام الصادرة عن الجهات الرسمية- الأممية والمحلية – على مدار الأعوام الثمانية الماضية كانت صادمة للمصريين، فالجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أكد أن أعداد من أقدموا على الانتحار قفز من 1160 حالة في 2005، إلى 3700 حالة في 2007، وصولاً إلى 4200 حالة في 2008، فضلاً عن تجاوز أعداد من حاولوا الانتحار 500 ألف في 2015، مما يعد كارثة.

صحيفة “لوس أنجلوس تايمز” الأمريكية، تناولت قضية الانتحار في مصر، في تقرير لها نشر عام 2010، كـ “ظاهرة” لا بد من وضعها تحت مجهر العناية لدى القائمين على الشأن المصري حينها، إذ تعد مؤشرًا خطيرًا حول الخريطة المجتمعية في دولة دينها الرسمي يمنع هذه الجريمة ويعدها “كفرًا وخروجًا عن الإسلام”.

الصحفي الأمريكي جيفري فليشمان، أشار في تقريره إلى إحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، والتي أشارت إلى أن مصر شهدت 104 آلاف محاولة انتحار في 2009 نجحت منها 5000 حالة، (بزيادة 800 حالة عن العام السابق عليه)، بينما في 2010 بلغت حالات الانتحار 5 من بين كل 1000 مواطن، وذلك طبقًا لإحصائية أصدرها الجهاز عقب الثورة مباشرة، ثم تجاوز الرقم 400 ألف محاولة انتحار 2011/ 2012، أي أربعة أضعاف من حاولوا الانتحار في العام السابق عليه.

في المقابل وفي ظل غياب الشفافية وتراجع حرية تداول المعلومات، تعاملت داخلية الانقلاب مع هذه الأرقام على أنها دربٌ من الخيال، وزعمت في تقاريرها الأمنية أن معدلات الانتحار الموثقة رسميًا لم تتجاوز حاجز 310 حالات سنويًا، ، وهو ما كذبته منظمات أخرى في مقدمتها جهاز التعبئة والإحصاء ومركز السموم بجامعة القاهرة.

الظاهرة بعد الانقلاب

في ظل الأوضاع الاقتصادية السيئة تحت حكم النظام العسكري, تتفاقم الأعباء المالية على الأسر المصرية, حتى أصبح 45% من الأسر تحت خط الفقر ، وبحسب الإحصائيات الرسمية شهد عام  2016 ارتفاع حالات المنتحرين بسبب الأعباء الاقتصادية التي أقرها نظام العسكر إلى 4000 شخص, وبلغ عدد المنتحرين باستخدام العقاقير السامة حوالي 2400 حالة, وأشارت الإحصائيات إلى أن 53% من بين تلك الحالات من الشباب.

كانت دراسة قد أجرتها منظمة الصحة العالمية، قد كشفت احتلال مصر في ظل الانقلاب العسكري، المرتبة 96 عالميا من حيث حالات الانتحار بين الشباب.

كما أعلنت المنظمة والمركز القومي للسموم وداخلية الانقلاب، عن أن عدد المنتحرين سنويا تجاوز 4250 منتحرًا، أغلبهم يترواح أعمارهم بين الثلاثين والأربعين، فضلا عن عشرات الآلاف من محاولات الانتحار التي تشهدها بيوت وشوارع مصر كل عام.

وأشارت المنظمة إلى أن نسبة الذكور في حالات الانتحار التي رصدتها تجاوزت نسبة الإناث، إذ بلغ الذكور 52%، والإناث 48%، وسجلت الفئة العمرية من 16 إلى 18 عاما أعلى عدد حالات انتحار، بواقع 25 حالة، تلتها الفئة العمرية من 11 إلى 15 عاما، بواقع 17 حالة.

وقالت منظمة الصحة العالمية- في تقرير لها- إنها وثقت 44 حالة انتحار أطفال، خلال عام 2015، حتى منتصف نوفمبر، تنوعت أسبابها بين نفسية وأسرية واقتصادية وصحية.

كما تسبب تردي الأوضاع المعيشية في ظل الانقلاب العسكري، في لجوء أعداد كبيرة من الشباب للهجرة غير الشرعية بحثا عن لقمة العيش، ما تسبب في وفاة المئات منهم غرقا في البحار.

أحدث الإحصاءات المتاحة على الموقع الإلكتروني لمنظمة الصحة العالمية، تكشف أن هناك 88 حالة انتحار من بين كل 100 ألف مصري، علما أن عدد سكان مصر 100 مليون نسمة.

الطلاب والعنوسة

وزارة الصحة بحكومة الانقلاب أعدت دراسة على عينة من طلاب مرحلة الثانوية العامة قدرت بـ10638 طالبا في العام الحالي، وقالت الدراسة إن 21.7% من الطلبة يفكرون في الانتحار، بسبب التخبط في السياسة التعليمية وصعوبة الامتحانات، وعقم النظام التعليمي الذي تحول إلى حقل تجارب على الطلاب.

بينما كشف مركز “المصريين للدراسات الاقتصادية والاجتماعية”، في تقرير له، عن أن مصر شهدت 4000 حالة انتحار بسبب الحالة الاقتصادية، في الفترة من مارس 2016 إلى يونيو 2017.

وحول عزوف الشباب عن الزواج بسبب سوء الأحوال الاقتصادية وارتفاع نفقات الزواج، كشفت إحصائية صادرة عن المركز القومي للسموم التابع لجامعة القاهرة، عن تزايد أعداد الشباب المنتحرين بسبب العنوسة والبطالة، حيث أقدمت حوالي 2700 فتاة على الانتحار سنويًا بسبب العنوسة، فضلا عن إقدام العديد من الشباب على الانتحار بسبب البطالة وصعوبة الزواج، خصوصًا ممن يعيشون قصصًا غرامية.

عام 2007

في عام 2007، أظهرت دراسة مصرية أن هناك 3708 حالات انتحار وقعت في مصر خلال هذا العام، وأن نسبة المنتحرات من الإناث كانت أكثر من الذكور لتصل إلى 68% للإناث مقابل 32% للذكور، وسبق أن سجلت إحصائيات المركز القومي للسموم، التابع لجامعة القاهرة، وقوع 2355 حالة انتحار بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و23 عامًا خلال عام واحد طبقا للإحصائيات الرسمية.

وتشهد مصر سنويا نحو 3 آلاف حالة محاولة انتحار لمن هم أقل من 40 عاما، فيما تقول تقارير أخرى إن خمسة أشخاص من بين كل ألف شخص يحاولون الانتحار بهدف التخلص من مشكلاتهم.

الفئات العمرية

وفقًا لكتاب “شهقة اليائسين” للكاتب الصحفي د. ياسر ثابت، الذي يرصد فيه الانتحار في مصر والوطن العربي، تعد الفئة العمرية الأكثر إقبالاً على الانتحار في مصر هي ما بين 15 و25 عاما، حيث تبلغ نسبتهم 66. 6% من إجمالي عدد المنتحرين في كل الفئات. تأتي بعد ذلك المرحلة العمرية ما بين 25 و40 عاما، والتى تمثل النسبة الأكبر لانتحار الرجال. ومعظم حالات انتحار الرجال في هذه المرحلة العمرية ترجع إلى ظروف اقتصادية، وعدم القدرة على الإنفاق على الأسرة.

المرتبة الثالثة في إحصائية المنتحرين جاءت ممثلة في الفئة العمرية من 7 إلى 15 عاما. وكانت البنات المنتحرات في هذه المرحلة ثلاثة أمثال الأولاد. وبلغت نسبة هؤلاء الأطفال المنتحرين 5.21 في المئة من إجمالي المنتحرين في مصر.

الشبكة العربية

الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، رصدت في تقرير متلفز أصدرته – عبر حسابها الرسمي على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”- 63 حالة انتحار في مصر منذ يناير وحتى أغسطس 2018 ، وهو رقم صادم بكل المقاييس؛ خصوصا وأن مئات الحالات الأخرى لا يتم توثيقها أو لا تصل إلى الإعلام والمؤسسات المعنية حتى يتم رصدها.

الشبكة العربية رصدت 15 حالة انتحار في يوليو الماضي، وهو الشهر الذي شهد وقوع أكبر عدد من حالات الانتحار، وجغرافيًا رصدت الشبكة وقوع 13 حالة انتحار في محافظة الجيزة وحدها، وبذلك أصبحت هي الأعلى في تسجيل حالات الانتحار بين المحافظات.

وحين ينظر إلى العلاقة بين زيادة جرائم الانتحار وقضية حقوق الإنسان، نجد أن الدول الأكثر انتهاكًا لحريات الإنسان هي الأكثر في معدلات الانتحار، وهو ما كشفته المذكرة الأساسية لبرنامج الحد من الانتحار، الذي أطلقته منظمة الصحة العالمية في 2014، والتي أشارت إلى أن 75% من حالات الانتحار تقع في الدول الفقيرة والمتوسطة الدخل، عكس ما كان يعتقد الكثيرون.

المذكرة أشارت- وفقًا لتقارير المنظمات الحقوقية- إلى أن الدول التي يتراجع ترتيبها على قائمة مؤشرات الحريات واحترام حقوق الإنسان، هي نفسها الدول التي تحتل موقعًا متقدمًا في قائمة أعلى معدلات الانتحار.

وأفادت التنسيقية المصرية للحقوق والحريات، في بيان لها، بأن سنة 2018 سجلت أكبر عدد من ضحايا الانتحار بوسائل مختلفة للهروب من ضغوطات الحياة؛ نتيجة لغلاء المعيشة وتفشي ظاهرة البطالة بين الشباب.

وأكدت إحدى المنظمات الحقوقية أن عدد حالات الانتحار فاق 496 حالة خلال الأشهر الثلاث الأخيرة، بمعدل أكثر من أربع حالات في اليوم، مشيرة إلى أن 53% من الحالات تم تسجيلها في صفوف الشباب.

النساء والرجال

ووفقًا لكتاب “ثابت”؛ تختلف طرق الانتحار بين النساء والرجال، إذ أن 90 في المئة من النساء يستخدمن في انتحارهن الأقراص المنومة أو سم الفئران أو إلقاء أنفسهن من أماكن شاهقة أو في النيل، بالإضافة إلى لجوئهن إلى حرق أنفسهن.

أما الرجال فإنهم ينتحرون عادة بالشنق أو قطع شرايين اليد أو إطلاق النار على أنفسهم أو الحرق.

ويعزو محللون أسباب انتشار ظاهرة الانتحار، أو على الأقل الإقدام على محاولة الانتحار، لأسباب، أهمها اليأس والإحباط المتفشي بين الشباب على خلفية القمع والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ووأد أحلام الشباب بعد إجهاض مكتسبات ثورة 25 يناير على يد حفنة من جنرالات العسكر.

ثورة 25 يناير

ويرى عمرو عادل، عضو الهيئة العليا لحزب الوسط، أن مصر تعاني من تمتع طبقة اجتماعية بحجم هائل من الثروة والسلطة، بينما يعاني أغلبية المصريين من الفقر والقهر لفترات طويلة، متهمًا من أطاحوا بمكتسبات ثورة 25 يناير بالمسئولية عن تزايد حالات الانتحار، قائلاً: “عندما قامت ثورة يناير دخل الأمل في نفوس الشعب، وحتى بعد انقلاب 3 يوليو، شعر البؤساء بوجود من يمكن أن ينقذهم، ونسوا أن هذا الانقلاب من الطبقة التي أذلتهم وقتلتهم على مدى عقود طويلة، ومع ظهور الحقائق، فقد كثيرون الأمل في حياة كريمة ماليًا واجتماعيًا، فزادت حالات الانتحار”.

تفسير عمرو عادل يتفق مع نظرية عالم الاجتماع الفرنسي الشهير “إميل دور كايم”، الذي أوضح في كتابه “الانتحار” أن ما يدفع الأفراد للانتحار هو ضعف التنظيم الفردي والجمعي، أي أن المجتمع فقد القدرة على حفظ أفراده وتنظيم شئونهم بشكل يجعلهم راغبين في مواصلة الحياة. ويعتبر ارتفاع معدلات الانتحار مؤشرا على وجود “خطأ ما” في النظام الاجتماعي، رافضًا أن يكون الانتحار ناتجًا عن مرض عقلي يسبب نقصًا في الوعي بالنتائج، كما يقول علماء الاجتماع، مؤكدًا أن الانتحار عمل واعٍ يدرك من يقدم عليه نتائجه.

وتخلص نظرية مؤسس علم الاجتماع إلى أن الانتحار تتسبب فيه قوة متجاوزة لقدرة الفرد، وأن الانتحار في صيغته المجردة هو “إعلان موقف يتخذه الفرد ضد وضع اجتماعي بعينه”، حيث أثبت أن القوى الاجتماعية هي الفاعل الرئيس لإقدام الفرد على الانتحار، وأن المجتمعات القامعة هي التي تدفع أفرادها للانتحار بشكل متزايد، وأن ارتفاع معدلات الانتحار هي “إشارة دالة على التفسخ الاجتماعي”.

السبب الثانى: التدهور الحاد في الأوضاع الاقتصادية، وانتشار البطالة بنسبة عالية بين الشباب، ما أفضى إلى عدم قدرة ملايين المصريين على تلبية احتياجاتهم الأساسية أو حتى العيش مستورين كما كان الحال قبل قرارات تعويم الجنيه في 03 نوفمبر 2016م، والتي ترتب عليها تآكل قيمة العملة المحلية بأكثر من الضعف، وتراجع قيمة المدخرات ثم موجات الغلاء التي لا تتوقف حتى بلغت نسبة الزيادة في الوقود 500%، وتذكرة المترو 700%، والمياه والكهرباء 400%، حتى تعرت كثير من الأسر التي كانت قبل ذلك مستورة وباتوا في هم وغم  بلا حدود.

السبب الثالث، بحسب تقرير لقسم علم النفس بجامعة عين شمس، هو الاضطراب النفسي، الذي يأخذ صورًا متعددة أبرزها اضطراب الشخصية، الذي يصبح فيها المريض أكثر اندفاعية، وغير قادر على المعيشة، فحين يفقد قدرته على جذب أنظار المحيطين به، يلجأ إلى الانتحار فورًا. موضحا أن ما يقرب من 34% من المصريين يعانون من الاضطراب النفسي، 15% منهم يخططون للانتحار، كما أن الاكتئاب أحد أسباب تلك الظاهرة، بجانب مسببات الانتحار الأخرى مثل سقوط الرمز الديني، بالإضافة إلى ما تعرض له المصريون من انتكاسة عقب فشل تحقيق الثورة أهدافها، إضافة إلى انتشار تعاطي المواد المخدرة، وزيادة معدلات البطالة، وغياب العدالة الاجتماعية وما إلى غير ذلك.

السبب الرابع، وفقًا لمتخصصين في الطب النفسي، هو الغربة والجفاء والتمزق المجتمعي، معتبرين أن الأسباب الاجتماعية للانتحار في مصر تأتي في المرتبة الأولى، متنوعة بين خلافات ونزاعات أسرية، وشجارات ونزاعات زوجية، ويرتبط الكثير منها بالشعور بالضيق لأسباب مالية، وتعد الأسباب المالية المباشرة السبب الأهم في زيادة حالات الانتحار، في ظل تدني الرواتب، وتراجع فرص العمل، والارتفاع اليومي في أسعار السلع والخدمات، مما أصاب المواطن بالاكتئاب والاضطراب النفسي.

الانتحار الاحتجاجي

لم تكن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية وحدها هى التى تدفع الشباب إلى التخلص من حياتهم، فهناك أسباب أخرى قادرة على أن تجعل من الموت الملاذ الوحيد أمام الإنسان، حسبما أشار الدكتور عمرو أبو خليل، مدير مركز الاستشارات النفسية والاجتماعية بجامعة الإسكندرية، والذي حذر من موجة انتحار قادمة احتجاجًا على الأوضاع المتردية التي يعيشها المواطن.

أبو خليل أشار، في تصريحاته، إلى أن ظاهرة الانتحار لها شقان مميزان، مقارنة بنظيراتها في دول العالم، الأول هو تراجع المستوى المعيشي جراء الفشل في إدارة الأمور اقتصاديًا وسياسيًا، فلم يجد الإنسان سوى روحه ليحتج بها، وهي صورة احتجاج إنسانية معروفة في كل العالم تكررت كثيرًا أمام السفارات ومبنى الأمم المتحدة، وكأن المنتحر يأبى إلا أن يرسل بموته رسالة احتجاجية لشعبه وحكومته.

وأضاف أن من أبرز ما يجسد هذه الحالة موجة الانتحار حرقًا التي تفشت أواخر عهد المخلوع حسني مبارك، في أعقاب عقب إحرق التونسي محمد البوعزيزي نفسه في 2011 احتجاجًا على الأوضاع المعيشية وتضييق الخناق عليه، مما دفع المصريين آنذاك للشعور بأن الحياة المهينة التي ارتضوها منذ سنوات ضاقت بهم ولم تعد ترتضيهم، فما كان أمامهم إلا الاحتجاج بمحاولات الانتحار.

وأوضح أن السمة الثانية لظاهرة الانتحار هي أن غالبية المنتحرين من الشباب، مرجعًا ذلك لأن هذه المرحلة العمرية مرتبطة بتحقيق الإنجازات والأمل والتفاؤل لتحقيق الذات، فإذا ما عجز الشاب عن تحقيق كل ذلك أصبح عمره دافعًا مثاليًا للانتحار.

رابط دائم