في إطار رؤية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الرامية لإسقاط ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، أو على الأقل إضعافه وتدمير سمعته على مستوى العالم، في أعقاب قيام فريق اغتيال سعودي مكون من 15 شخصًا، بينهم حراس أمنيون تابعون لابن سلمان مباشرة،  باغتيال الصحفي جمال خاشقجي بوحشية مروعة في مقر القنصلية بإسطنبول التركية، مطلع أكتوبر 2018م، حيث قامت المخابرات التركية بتسريب جديد يؤكد تورط بن سلمان في الجريمة وأنها مدبرة، وتم التدبير لها في الرياض.

وكشفت صحيفة “حرييت” التركية، اليوم الخميس، عن تفاصيل جديدة عن دور مسئول الاستخبارات في القنصيلة السعودية في إسطنبول، أحمد عبد الله المزيني، في عملية قتل خاشقجي داخل القنصلية نفسها يوم 2 أكتوبر الماضي.

وأوضحت أن قلقًا راوَدَ خاشقجي بعد دخوله إلى القنصلية؛ بسبب الحيرة التي بدت على الموظفين عند استقباله يوم 28 سبتمبر. رغم أن الوثيقة التي طلبها خاشقجي لا تتطلب وقتا طويلا، لكنّ موظفين عملوا على تأخير خاشقجي عبر تقديم “شاي” و”قهوة” له إلى حين انتهاء المزيني من اتصالات مع جهات سعودية، ومنها مكتب ولي العهد محمد بن سلمان.

إثر ذلك، طُلب من خاشقجي مراجعة السفارة بعد عودته من رحلة قصيرة إلى لندن. ورغم منحه يوم 2 أكتوبر موعدا لاستلام الوثيقة، إلا أن “حرييت” كشفت عن أن القنصلية لم تجهز الوثيقة أصلا.

وذكرت الصحيفة أن المزيني طار بعد أول زيارة لخاشقجي للقنصلية إلى الرياض، والتقى هناك نائب رئيس الاستخبارات السابق، أحمد عسيري، والذي شكل فريق الاغتيال. وبحسب “حرييت”، فقد أطلع المزيني على خطة الاغتيال في الرياض قبل أن يعود إلى إسطنبول، مطلع أكتوبر، ثم غادر مساء يوم الاغتيال في حدود الساعة 21:35 بتوقيت تركيا.

في السياق ذاته، أوضحت الصحيفة التركية أن المستشار السابق في الديوان الملكي السعودي سعود القحطاني، تبادل مع محمد بن سلمان 11 رسالة قبل وبعد اغتيال خاشقجي. كما أبلغ القحطاني فريق الاغتيال عبر “سكايب”، بأن يجلبوا له رأس خاشقجي.

“5” أهداف تحققت

كان مسئول تركي رفيع المستوى، قد كشف عن أن الرئيس التركي يستهدف من التسريبات المتتابعة إما إسقاط ولي العهد السعودي، باعتباره قاتلا لا يستحق شرف ولاية العهد في بلاد الحرمين، أو على أقل تقدير إضعافه وتدمير سمعته على مستوى العالم.

ومع دعم الإدارة الأمريكية لابن سلمان، فإن عملية إسقاطه ليست بالشيء السهل، خصوصًا وأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والكيان الصهيوني يصران على بقائه لتنفيذ باقي مخططات الهيمنة على الإقليم وتمرير صفقة القرن التي بدأت بالفعل عبر إجراءين: الأول قرار البيت الأبيض نقل سفارة واشنطن إلى القدس. والثاني تجميد المساعدات الأمريكية لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”، بما يستهدف إسقاط حق العودة للاجئين الفلسطينيين.

ويتفق كثير من المحللين والمتابعين على أن أردوغان قد تمكن فعلا من إضعاف محمد بن سلمان للأسباب الآتية:

أولا: أجبرت التسريبات التركية المتتابعة النظام السعودي على الاعتراف بالجريمة الوحشية بعد أن تم نفيها مرارًا في بداية الأمر، كما أجبرت النظام السعودي على تغيير روايته باستمرار، بما أثبت كذب النظام السعودية وفضحه على مستوى العالمين، بينما بقيت الرواية التركية واحدة مدعومة بالأدلة والبراهين.

ثانيا: أسهمت الضغوط التركية والتسريبات المتتابعة فى فضح العلاقة الوثيقة للغاية بين اليمين المتطرف الذي يقوده دونالد ترامب والنظام السعودي عموما، وولي العهد على وجه الخصوص، كما فضحت الدور الذي تقوم به المملكة وولي العهد لضمان حماية المصالح الأمريكية، وأنه لولا السعودية لكانت “إسرائيل” في ورطة، بحسب تصريحات ترامب التي التزمت السعودية حيالها الصمت.

ثالثا: بات ولي العهد شخصًا منبوذًا معزولًا، وهو ما تكشف خلال جولته الأخيرة في عدد من العواصم العربية المتحالف معها، مثل أبو ظبي والقاهرة والمنامة ونواكشوط، وسط رفض شعبي واسع أو حشود شعبية مصطنعة لإظهار ترحيب مفتعل، كما ظهر بوضوح في مشاركته في قمة العشرين وزيارته لتونس والجزائر.

رابعا: تلاشت صورة ولي العهد السابقة التي كان ينفق المليارات عليها باعتباره أميرًا يفرض رؤية إصلاحية لتحديث المملكة، وتحولت إلى مجرم قاتل متهم بشن حرب عبثية تسببت في قتل الآلاف من اليمنيين وتعرض بلادهم لمجاعة غير مسبوقة.

خامسا: أفضت التسريبات التركية المتتابعة والإصرار على كشف الآمر بالجريمة وعدم الاكتفاء بتقديم كباش فداء إلى إضعاف موقف ولي العهد، وسط دعوات إلى تدويل القضية وإجراء تحقيقات دولية تكشف عن حقيقة الجريمة المروعة، كما أسمهت في تعزيز مكانة باقي الأمراء المنبوذين الذين نكل بهم ابن سلمان، وسط تحركات داخل الأسرة الحاكمة تستهدف الحد من سلطات ولي العهد، وعدم اقتناع الغالبية العظمي من أمراء الأسرة بكفاءة “بن سلمان” لتولي العرش السعودي خلفًا لوالده العجوز.

ومع هذه الأهداف التي تحققت بالفعل، يمضي الرئيس التركي نحو تحقيق هدفه الأكبر بإزاحة ولي العهد عن ولاية العهد وعدم صعوده لوراثة العرش؛ خدمة للإسلام والمسلمين وبلاد الحرمين التي تشوهت سمعتها بحدة، وأيضا خدمة للأسرة المالكة التي باتت محل انتقاد واسع على المستوى الإقليمي والعالمي.

رابط دائم