في إطار توظيف المؤسسة الدينية لخدمة أجندة النظام العسكري الذي تأسس عبر الانقلاب على أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر، واصلت «دار الإفتاء السيسية» نفاقها وتطبيلها للطاغية عبد الفتاح السيسي، بالزعم أنه يطبق الشريعة الإسلامية!.

جاء ذلك في أحدث فيديو أصدرته وحدة الرسوم المتحركة التابعة لها، اليوم الأحد 09 ديسمبر 2018م، زاعمة أن ما وصفتها بالجماعات الإرهابية لا تدرك أن الشريعة مطبقة في بلادنا على المستوى العام والخاص!.

تأتي هذه الخطوة من جانب الدار في أعقاب إعلان الكنيسة عن دعمها لإجراء تعديلات دستورية تُفضي إلى بقاء الطاغية السيسي في الحكم مدى الحياة، كما تتزامن مع تسريبات تؤكد وجود ضغوط على مشيخة الأزهر من أجل إعلان مماثل لتلطيف الأجواء مع الجنرال الطاغية.

وللتدليل على هذه الأكذوبة والافتراء على الشريعة، استندت الدار إلى عدة أكاذيب:

أولا: زعمت أن الدستور الذي يمثل النظام العام لمجتمعنا ينص في مادته الثانية على أن الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية، وأن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع».

ثانيا: زعمت الدار أن القوانين المعمول بها في المجتمع ترجع إلى مبادئ الشريعة ولا تخرج عنها، مدعية أن «مؤسسات الدولة المصرية ينطلق عملها من تحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية وترجمة معانيها عمليًّا بين أفراد المجتمع»!.

ثالثا: زعمت أن السلوك العام في مصر يسير وفق هوية إسلامية ومرجعية شرعية تظهر معها معالم الإسلام وأركان الشريعة؛ من عقيدة وعبادات وتعاملات وقيم وأخلاق. واعتبرت الدار كل المطالبين بتطبيق الشريعة تيارات مفسدة في الأرض ويفترون الكذب!.

ليست المرة الأولى

وهذه ليست المرة الأولى التي تفتري فيها “دار الإفتاء السيسية” على الشريعة الإسلامية، بتحميلها الفشل والظلم الفاضح من نظام عسكري استبدادي هو نفسه لا يدّعي أنه يطبق الشريعة، بينما تواصل مؤسساته الدينية- التي تم تأميمها لخدمة أجندة النظام- تلميع النظام عبر ترويج الأكاذيب وممارسة جميع صور التدليس والافتراء.

كان مفتي العسكر شوقي علام قد مارس نفس التطبيل والنفاق، في أكتوبر 2017، خلال ندوة «تطبيق الشريعة فى مصر بين الحقائق والأوهام»، والتى نظمتها المنظمة العالمية لخريجى الأزهر، بالتعاون مع كلية الدعوة الإسلامية بجامعة الأزهر، مبررًا مذابح العسكر بأنهم على الحق، مدعيًا أن الشريعة مطبقة فى مصر، والدعوة لتطبيقها مجرد دعوة لدغدغة المشاعر، وهدفها سياسى لدفع المصريين للبعد عن نظام التشريع الحالى».

وبرر بعض المخالفات بأنها تفسيرات ومذاهب مختلفة، دون أن يسند هذه التفسيرات المزعومة لمصادرها في مذاهب الفقه الإسلامي، حيث ادعى أنه بالنسبة «لمسألة تطبيق الحدود فإن القانون الجنائى رتب العقوبات بين حد أدنى وحد أعلى، وهى عقوبات تعذيرية ضمن عقوبات حدود وتعذير وقصاص، وهى أحدث نظرية لتطبيق العقوبات المناسبة مثل الاغتصاب، ونرى بعقوبته الإعدام وهى تطبيق لحد الحرابة». مضيفا «أما عن حدي السرقة والزنا فعقوبتهما الحبس فى القانون الجنائى، ونجد لذلك شيئًا فى الشريعة الإسلامية، والإسلام ليس شغوفًا بإقامة الحدود، ولا أطمئن فى الوقت الحالى لزمن يمكن شراء الشهود، والإسلام يدعو لدفع الحدود ما استطعنا عن الناس».

«5» ردود مُفحمة

أولا: تجاهلت الدار أن النص في الدستور على أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، معطل كمعظم نصوص الدستور التي تنص على حماية حقوق الإنسان، بينما يتم انتهاكها كل ساعة بشكل فاضح، وأن مجرد النص في الدستور ليس كافيًا بقدر ما يتوجب التطبيق العملي؛ فما قيمة نص غير مفعل؟!.

ثانيا: يستند المفتي على معنى ضيق وخاطئ للشريعة باعتبارها تمثل الحدود، بينما الشريعة تنتظم الحياة كلها، وأهمها تحقيق العدل بشقيه السياسي والاجتماعي، والحرية بشمولها وأبعادها؛ فالإسلام يرفض الإكراه {لا إكراه في الدين}، والشورى حتى يكون الناس مشاركين في صنع القرار واختيار حكامهم بإرادة حرة، غير مجبرين ولا مكرهين على مسرحيات يطلق عليها النظم المستبدة “انتخابات”، فأين نظام العسكر من كل هذه القيم الأصيلة في الشريعة الغراء؟!.

ثالثا: تستهدف الشريعة حماية “الكليات الخمس”، وهي: الدين والنفس والعقل والمال والعرض، فأين تقع هذه الكليات في أولويات النظام؟ فالدين مشوه ويُحارب الملتزمون به ويلاحقون دون غيرهم، ويساء إليه بانتساب هذه النظم المستبدة إليه ظلمًا وزورًا، والنفس سفكها العسكر بكل إجرام وقتلوا الآلاف ولا يزالون من أجل أطماعهم واغتصابهم للسلطة، وأما المال فقد استأثرت به شبكة المصالح ومافيا الجنرالات حتى كوّنوا إمبراطورية اقتصادية ابتلعت اقتصاد الدولة واغتضبت ثرواتها، بل يتم تقنين هذا النهب وتلك السرقات بقوانين مشبوهة، وأما العِرض فقط انتهكوا أعراض المصريين ويمارسون أبشع صورة التدليس لتغيبب الوعي ونشر الجهل والتخلف.

شوقي علام، مفتي الجمهورية

مجتمع طبقي

رابعا: أفضت سياسات العسكر إلى نشوء مجتمع طبقي على المستوى السياسي، فهناك طبقة الحكام ويمثلها الجيش والشرطة والقضاء، وهؤلاء تبقى المناصب لهم ولأولادهم من بعدهم. وهناك المحكومون الذين يتعرضون لأبشع أنواع التنكيل والتهميش، وعلى المستوى الاقتصادي استحوذ الفريق الأول على كل شيء، بينما يعاني الباقون من الفقر والحرمان والجوع. فعن أي شريعة تتحدث ما تسمى بدار الإفتاء السيسية؟!.

خامسا: تدعو الشريعة إلى الشفافية والمساءلة والمساواة أمام القانون، كما قال الرسول “صلى الله عليه وسلم”: “لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها”، ويقول: “الناس سواسية كأسنان المشط”، فأين هذه المساواة في مجتمع تنهشه الطبقية وتدمره المحسوبية والفساد؟!.

كان الرئيس الأسبق محمد أنور السادات قد عهد إلى مجلس الشعب برئاسة صوفي أبو طالب بتقنين فقه الشريعة، وشارك في هذا الأمر أكثر من 200 من علماء الشريعة والقانون، وتم وضع ذلك في 7 مجلدات كييرة، لكن مبارك أوقف المشروع بعد صعوده إلى كرسي الحكم.

وعلّق المفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة على ذلك، بتأكيد أن اختزال الشريعة في تطبيق الحدود يسيء إليها، وأن تطبيق القوانين الوضعية المستمدة من فرنسا وإنجلترا لم يحدث بإرادة الشعوب بل تم على يد المحتل الأجنبي، وتحديدًا أوائل القرن التاسع عشر، عند مجيء بونابرت إلى مصر، وبعد احتلال الإنجليز لبلادنا عام 1882، حيث بدأت الإطاحة بقوانين الشريعة بعد سنة فقط من الاحتلال. وكان الدكتور عبد الرازق السنهوري (واضع القانون المدني لمصر والعراق وسوريا وليبيا والسودان والإمارات) يحلم بالنص على أن تكون الشريعة الإسلامية المصدر الأول للقانون في العالم العربي.

رابط دائم