كتب يونس حمزاوي
للمرة الثانية خلال يومين فقط، يتصدر المرشح القطري الدكتور حامد الكواري، الترتيب الأول في انتخابات الأمانة العامة لمنظمة اليونسكو بـ20 صوتا؛ بينما حلت المرشحة الفرنسية أودريه أزولاى في المركز الثاني بحصولها على 13 صوتا، وحلت مرشحة العسكر مشيرة خطاب على 12 صوتًا.

وبهذه النتيجة زاد التصويت للمرشح القطري بمعدل صوت عن جولة أمس، التي حصل فيها على صدارة الترتيب أيضا ولكن بـ19 صوتا، وحافظت المرشحة الفرنسية على نفس عدد الأصوات التي حصلت عليها في جولة أمس، 13 صوتا، كما حصلت مشيرة خطاب على صوت إضافي عما حصلت عليه في جولة أمس. وجاء في الترتيب الرابع مرشح فيتنام "فام سان شاو" ومرشح الصين "كيان تانج" بحصول كل منهما على 5 أصوات.

ورغم أن الجولة الثانية للانتخابات والتي تجرى في العاصمة الفرنسية باريس، لم تحسم النتيجة؛ حيث يتوجب أن يحصل أحد المرشحين على 30 صوتا للفوز بالمنصب الأممي من أصل 58 صوتا هي مجموع الدول المشاركة في التصويت، ما يعني استعداد المرشحين لجولة ثالثة ربما تشهد انسحابات لمرشحين على المنصب.

وتُحسم نتيجة الانتخابات إما بحصول مرشح على 30 صوتا (نصف الأصوات 29+1) من أصل 58 أو تستمر حتى اليوم الخامس، وينجح أعلى المرشحين حصولا على الأصوات دون النظر إلى قاعدة النصف + واحد. وبحسب مراقبين فإن هناك عدة ملاحظات جديرة بالرصد والاهتمام والتحليل.

خلافات العرب تهدر الفرص

الملاحظة الأولى: أن خلافات العرب دائما ما تهدر فرصهم في تحقيق الإنجازات واختراق النظام العالمي، فمجموع ما حصل عليه المرشحون العرب، اليوم، 35 صوتا (20 لقطر +12 لمصر+ 3 للبنان)، وهو ما يكفي للفوز بالمنصب حال كان العرب متحدين.

وبلا شك، فإن أزمة الخليج تلقي بظلالها على مشهد الانتخابات، ويمكن الجزم بأن المرشح القطري لن ينسحب لمشيرة خطاب والعكس أيضا صحيح، ما يمثل انعكاسًا لحالة التشرذم العربي والخلافات التي باتت تستعصي على الحل، في ظل نظم ديكتاتورية لا ترى مصالح الشعوب إلا في بقائها على سدة الحكم مهما كانت العواقب.

فضيحة لنظام 30 يونيو ودول الحصار

الملاحظة الثانية: أن نتائج الجولة الأولى والثانية من انتخابات اليونسكو تمثل فضيحة من العيار الثقيل لنظام 30 يونيو العسكري، حتى لو فازت بعد ذلك "مشيرة خطاب" بالمنصب؛ وذلك لأن وسائل الإعلام الموالية للعسكر دأبت على التهوين من شأن المرشح القطري، ومارست تشهيرًا بحق قطر ومزاعم عن دعمها للإرهاب، وهو ما يعني أن ما ينشر بوسائل الإعلام الموالية للعسكر ودول الحصار "السعودية والإمارات والبحرين"، إضافة إلى إعلام الصهاينة واليمين المتطرف بالولايات المتحدة الأمريكية، لا تلقى قبولا من أكثرية الدول التي ترى في مواقف "الدوحة" دعمًا لتطلعات الشعوب المقهورة نحو الحرية واحترام حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير.

كما تعكس هذه النتائج الاحترام الذي تتمتع به الدوحة بين دول العالم، وأنّ لها تأثيرا ونفوذا يفوق دول الحصار مجتمعة؛ فلا يخفى على أحد دعم السعودية والإمارات للمرشحة المصرية.
وهذا ما دفع وسائل الإعلام الموالية للعسكر إلى تجاهل النتائج، وتم توظيف الصعود للمونديال للتغطية على الفضيحة المدوية.

مزاعم شراء الأصوات

وبحسب الكاتب الصحفي جمال سلطان، فإن «مصر أدارت المعركة بغشومية سياسية ودبلوماسية، كان هناك ابتهاج زائد بتنازل العراق لمصر، وهو تنازل لا قيمة له؛ لأن العراق حاليا لا يملك أي ثقل سياسي أو ثقافي على المستوى العالمي، كما أن الدبلوماسية المصرية استخفت كثيرا بقدرات المرشح القطري، وما زال الإعلام المصري حتى الآن يحكي خرافات عن قطر ومرشحها، وأنها اشترت الأصوات بأموالها، ولو كانت المسألة أموالا لضخت "أبو ظبي" عدة مليارات في هذه الموقعة نكاية في جارتها قطر، ولكن الأمر يتعلق بالسجل الشخصي للمرشح القطري، وأيضا لصورة بلاده في دنيا الثقافة والتعليم الآن».

قوة المرشح القطري

المرشح القطري يملك سجلا قويا على المستوى الشخصي، وهو- بالمناسبة- مصري الثقافة والهوى، وكانت له صداقات قوية مع رموز ثقافية مصرية كبيرة على مدار أربعين عاما تقريبا، مثل رجاء النقاش ولويس عوض وجلال كشك، وهو "درعمي" خريج كلية دار العلوم جامعة القاهرة ، وبالمناسبة فزوجته مصرية، ثم حصل على الماجستير من السوربون في فرنسا، ثم الدكتوراه من جامعة (ستوني بروك) في نيويورك، وتولى وزارة الثقافة في بلاده، ثم عمل مندوبًا لها في الأمم المتحدة، وكان نائبا لرئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، كما عمل في اليونسكو أيضا سنوات، كما كان سفيرا لبلاده في عدد كبير من الدول العربية والأوروبية والأمريكية وأمريكا الجنوبية، مما ساعده على بناء شبكة علاقات عامة قوية، وهو يتحدث بعدد من اللغات العالمية، فهو ليس شخصا هامشيا أو مغمورا كما يحاول أن يصوره قطاع من الإعلام المصري الآن، هذا بالإضافة إلى أن قطر نفسها في المجال الثقافي والتعليمي تحظى بمكانة جيدة في السنوات الأخيرة، فقد صنفت الأولى عربيا في جودة التعليم، وكذلك صنفت الأولى عربيا في التنمية الشاملة وفي رعاية الطفولة، كما أن ربحها لفرصة تنظيم كأس العالم 2022 منحها حضورا دوليا أيضا، وهذا كله كان يستدعي أن تأخذ مصر تحدي المرشح القطري على محمل الجد وليس بهذا القدر من الاستخفاف.

صورة مصر المشوهة عالميا

في المقابل بحسب سلطان، لم تحسن مصر اختيار مرشحها، مع كامل الاحترام للسيدة مشيرة خطاب وتاريخها، فلم يكن لها صلة قوية بعالم الثقافة والتعليم والتنمية، ووضح أنها مرشحة "الدولة العميقة" المصرية وليست مرشحة "الثقافة" المصرية أو العربية أو حتى الإفريقية، إضافة إلى أنها لم تبذل أي جهد يذكر لتحسين صورة مصر المهترئة الآن عالميا في مجال حقوق الإنسان، وخاصة ما يتعلق بقطاع الثقافة، فهناك مكتبات يتم غلقها بقرارات سياسية، ومثقفون تتم مطاردتهم وسجنهم، ومجتمع مدني يتم سحقه بلا رحمة وبلا استجابة للملاحظات الدولية بشأنه، وقطاع واسع منه متصل بالثقافة، وهذا كله سجل لا يشجع العالم على اختيار مرشح مصر.

رابط دائم