أحمدي البنهاوي
لم يعد الأمر مقتصرًا على مناطق بعينها في اليمن تظهر فيها تلك الصور المرعبة لأطفالٍ يموتون من الجوع، عظام بارزة وعيون غائرة في كل قرية وحي وشارع، اليمن تعيش مجاعة صنعتها الحرب، فأوجدت الفقر والديون والكوليرا.

نداءات متعددة أطلقتها الأمم المتحدة، فقبل يومين حذر مارك لوكوك، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، من أن "اليمن سيواجه أكبر مجاعة في العالم.. حدثت منذ عقود"، وقال: إن "سبعة ملايين يمني على شفا المجاعة".

كما حذر "الصليب الأحمر" من أن "وضعا كارثيا" يهدد ملايين اليمنيين الذين يعتمدون على المساعدات الإنسانية المنقذة للأرواح.

وحذّر المسئول الأممي- في جلسة مغلقة، الأربعاء، لإطْلاع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على الوضع باليمن- من أن المجاعة "ستخلف ملايين الضحايا" ما لم تُستأنف المساعدات ويرفع الحصار". وحثّ "لوكوك" السعودية والتحالف على رفع الحصار عن البلد الذي مزقه الصراع.

ولكن التحالف أغلق، اليوم الإثنين، المجال الجوي والمسارات البرية والبحرية المؤدية إلى اليمن، منذ أطلق المسلحون الحوثيون صاروخا باتجاه العاصمة السعودية الرياض، في الوقت الذي يسيطر فيه الحوثيون على ميناء الحديدة، والذي يعد نقطة دخول رئيسية لمساعدات الأمم المتحدة.

وقال الصليب الأحمر، إن شحنة له لنقل أقراص الكلور، الضرورية لمكافحة وباء الكوليرا الذي أصاب أكثر من 900 ألف شخص، مُنعت من الدخول.

إحصائيات أممية

ووفقًا لإحصائيات الأمم المتحدة، قُتل ما يربو على 8670 شخصا، 60 في المئة منهم من المدنيين، وأصيب 49 ألفا و960 شخصا في غارات جوية واشتباكات على الأرض منذ تدخل التحالف الذي تقوده السعودية في الحرب الأهلية باليمن في مارس عام 2015.

وتعتمد البلاد على الواردات لتوفير جميع احتياجات المدنيين تقريبا للعيش، لكن لا يُسمح الآن بنقل الأغذية والأدوية والوقود.

وتبلغ نسبة المرافق الطبية التي لا تزال تعمل في البلاد أقل من 45%؛ إذ أغلِقَ معظمها بسبب القتال أو نقص الأموال أو التعرُّض للقصف في غارات التحالف الجوية. ونتيجة لذلك، تعالج مستشفى الثورة نحو 2500 شخص يوميا، مقارنةً بـ700 شخصٍ قبل تصاعد النزاع في شهر مارس من عام 2015.

وعلى بُعد أكثر من 200 ميل في محافظة لحج الجنوبية، الأكثر تضررا، والخاضعة لسيطرة قوات التحالف، يرقد مزيدٌ من الأطفال بلا طاقةٍ، ويلهثون في كل نَفَس.

منع منظمات دولية

وأشارت منظمات دولية مهتمة بالأوضاع الصحية وتوصيل المساعدات الإنسانية إلى منْع اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمة أطباء بلا حدود من إرسال مساعدات طبية حيوية إلى البلاد جوا. جديرٌ بالذكر أنَّ أكثر من 20 مليون يمني- أكثر من 70% من السكان- في حاجةٍ إلى المساعدات الإنسانية التي تُحظَر.

وفي أعقاب ضغوط دولية، أعيد فتح ميناءي عدن والمكلا في الأسبوع الماضي، أمام الحركة التجارية والإمدادات الغذائية، بالإضافة إلى معابر حدودية برية مع دولتي عُمان والمملكة السعودية المجاورتين.

غلاء طاحن

ويرى متابعون أن الغذاء متوافرٌ بكثرة في أسواق محافظتي الحديدة ولحج، والأكشاك تعُجُّ بفاكهةٍ وخضراوات طازجة، والتجار يعرضون أكياساً من الدقيق والبقوليات، ولكنَّ النقص الوحيد يتمثل في الزبائن، الذين لا يستطيعون تحمُّل تكلفة الطعام.

ففي الحديدة، ارتفع سعر جوال الدقيق الذي يبلغ وزنه 50 كلم من 5500 ريال يمني (22 دولارا) قبل الحرب إلى 7600 ريال يمني (30 دولاراً) حاليًا.

وبالإضافة إلى أزمة المجاعة، شهد اليمن أسوأ تفشٍّ للكوليرا على الإطلاق، في ظل الاشتباه بإصابة أكثر من 900 ألف شخصٍ بها، ووفاة أكثر من 2190 شخصا بسببها.

أطراف الأزمة

شبح المسئول عن أكبر مجاعة في العصر الحديث يكاد يتوه بين أطراف الأزمة الثلاثة "التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية، وجماعة أنصار الله (الحوثيون) وصالح، والطرف الثالث الأمم المتحدة". فكل طرف يرى أن الأطراف الأخرى هي السبب في تلك المجاعة القادمة، وأنه يعمل كل ما بوسعه لتدارك الموقف دون جدوى، لأن الأطراف الأخرى إما متقاعسة عن أداء دورها، أو أنها تعرقل الحل.

الأمر الوحيد الذي اتفقت عليه الأطراف الثلاثة هو أن الشعب اليمني يعاني منذ بداية الحرب من أزمة إنسانية، لنقص الغذاء والدواء ومشتقات النفط اللازمة لسير الحياة، ولكن ربما يشعر المتابع للوضع عن قرب، أنه لا طرف من هؤلاء ينوي إنقاذ المدنيين، الذين لا ناقة لهم ولا جمل في هذا الصراع من مجاعة طاحنة محتملة.

رابط دائم