تبدو المسافة شاسعة كما بين السماء والأرض عند المقارنة بين انتخابات تركيا التي جرت الأحد الماضي 24 يونيو 2018، ومسرحية الرئاسة الهزلية التي أشرف عليها النظام العسكري في مصر نهاية مارس الماضي.ولعل الانبهار والإعجاب الشديد بالتجرية الديمقراطية التركية وحجم المنافسة والحريات التي جرت فيها الانتخابات دفعت أبواق إعلام العسكر إلى بث السموم والأحقاد غيظا وحقدا لانعدام مثل هذه الأجواء الرائعة في بلادنا الحببيب مصر؛ لذلك عمدت على التشويه والأكاذيب للتغطية على فشل النظم العسكرية في إدارة البلاد نحو حكم ديمقراطي صحيح وتداول سلمي حقيقي للسلطة.

فاز أردوغان وحزبه ، لكن الحقيقة الأهم أن الديمقراطية في تركيا هي التي فازت وعززت مواقعها وبرهنت على عمق تجذرها في ثقافة المواطن والمؤسسات وأجهزة الدولة ، كما أن تركيا ـ الدولة والشعب ـ حققوا انتصارا كبيرا ، وفرضوا صورتهم في العالم ، كدولة مؤسسات كبيرة حديثة ديمقراطية ، وشعب واع ومسيس حتى النخاع ، ونظام سياسي وانتخابي عالي الشفافية والنزاهة ، كما أن الانتخابات بالنتيجة التي انتهت إليها ستمنح تركيا خمس سنوات مقبلة من الاستقرار السياسي الذي يتيح لها أن تخطو المزيد من الخطوات نحو النهوض وآفاق واعدة من النمو والازدهار .

“5” فوارق جوهرية

الانتخابات التركية انتهت إلى فوز كبير للرئيس رجب الطيب أردوغان بنسبة 52% على أقرب منافسيه محرم إنجه مرشح حزب الشعب الجمهوري الذي أسسه الطاغية مصطفى كمال أتاتورك، والذي حصل على 31% من نسبة المقترعين التي قاربت 90% من جموع المسجلين في كشوف الانتخابات التركية. وشهدت الانتخابات تنافسا شرسا بين 6 مرشحين يمثلون كل الاتجاهات التركية بين إسلاميين وقوميين وعلمانيين وأكراد وغيرهم. ولم يكن أحد يعلم نتائج الانتخابات قبل إجرائها، الأمر الذي أطمع القوى الدولية والإقليمية الداعمة لمعسكر الثورات المضادة في إمكانية الإطاحة بالرئيس أردوغان عبر صناديق الانتخابات بعد أن فشلوا في الإطاحة به عبر صناديق السلاح والذخيرة بدعم محاولة الانقلاب الفاشلة منتصف يوليو 2016م.

لكن مسرحية الرئاسة في مصر، لم تشهد أي تنافس جاد، بل جيء بكومبارس من مؤيدي الجنرال عبدالفتاح السيسي ليكون منافسا صوريا في مشهد عبثي ليس له وجود في أي دولة بالعالم سوى مصر التي باتت محل سخرية وتهكم من جميع شعوب الأرض.

الفارق الثاني بين المشهدين، أن تركيا شهدت منافسات حادة وساخنة ومؤتمرات حاشدة شارك فيها الملايين من المواطنين يستعمون إلى أطروحات جادة وتنافس نزيه وكل حزب له قواعده وجمهوره وله وسائله الإعلامية الداعمة له من فضائيات وصحف ومواقع ومقرات تحولت إلى خلايا نحل من أجل الفوز بثقة الشعب إيمانا من الجميع أن الانتخابات نزيهة بدون شك ولا مجال للحدث عن تزوير أو غير ذلك كما يحدث في مصر وغيرها من الدولة الشمولية التي يحكمها جنرالات طغاة.

وقد أبهر المؤتمر الذي عقده مرشح حزب الشعب الجمهورية في مدينة إزمير الأذرع الإعلامية للنظام السلطوي في مصر حتى دفعت المذيع أحمد موسى إلى التأكيد على أن محرم إنجه هو الرئيس الفائز برئاسة تركيا قبل بدء التصويت لكن الملايين التي شاركت في مؤتمرات أردوغان وخصوصا في اسطنبول أذهل العالم كه وكشف عن حجم الدعم الشعبي الواسع للرئيس أردوغان وحزب العدالة والتنمية.

على العكس من ذلك، لم تشهد مسرحية الرئاسة في مصر أي مؤتمرات أو ندوات أو حتى نقاش جاد حول مستقبل البلاد، حتى إن الكاتب عماد الدين حسين اعترف في أحد مقالاته أن برودة مشهد الانتخابات أوقع الصحفييين في ورطة كبيرة حيث لا يجدون من الأخبار والأحداث ما يستحق أن يكون مانشيتا يشيل العدد كما قال.

الفارق الثالث، أن نتائج انتخابات تركيا جاءت معبرة عن إرادة شعبية حقيقية، وتنافس جاد وحاد في ذات الوقت، فالرئيس الفائز حصل على 52% كما يحدث في الديمقراطيات العتيقة، وحصل منافسه على 31% وتوزع الباقي على باقي المرشحين. بعكس ما حدث في مصر فالنتيجة أصلا كانت معلومة قبل بدء التصويت، وحصل الجنرال على 97% كعادة كل الطغاة في العالم وعلى مر التاريخ، بينما حصل الكومبارس على المركز الثالث بعد الأصوات الباطلة في مشهد شديد العبثية والمسخرة.

الفارق الرابع، أن أكثر من 48 مليون تركي صوتوا جميعا في يوم واحد، خلال 9 ساعات فقط، ولم تشهد الانتخابات أي مشاكل تذكر، ولم نرى زحاما ولا مدا للوقت ولا حشدا للناخبين عبر أدوات السلطة ولا وجود للأجهزة الأمنية مطلقا في مشهد حضاري بإمتياز عكس حجم التطورات المدهشة في تركيا منذ تولي العدالة والتنمية حكم البلاد في 2002

الفارق الخامس، أن المعارضة التركية رغم أوجاعها بسبب الفشل المتواصل أمام نجاحات الرئيس أردوغان وحزبه، إلا أنها كانت عند مستوى المسئولية واعترف محرم إنجه وغيره من المرشحين بالنتائج مقرين بالهزيمة وبنزاهة الانتخابات ما قطع الطريق على معسكر الثورات المضادة خارج تركيا على إثارة الفوضى بمزاعم التزوير وغير ذلك من سخافات إعلام الذباب في عواصم عربية بينها وبين الديمقراطية والحكم الرشيد ملايين السنين الضوئية.

رابط دائم