تشهد السوق المصرية نقصًا حادًا في الدواء، وتعد أدوية الأمراض المزمنة كالضغط والسكر والكبد والمحاليل الطبية وأدوية الأورام والصرع والقلب وأنواع الأنسولين ومشتقات الدم، من أبرز الأصناف الناقصة من السوق.

ولم تشهد سلعة في مصر تأرجحًا في أسعارها على مدار الأشهر الماضية كالأدوية، حيث إن سعر علبة الدواء من الممكن أن يتغير يوميًا، وقد يدوّن على الغلاف الخارجي للدواء أكثر من سعر، وحين تسأل الصيدلي تكون الإجابة: “السعر بيتغير كل شوية.. واحنا هنعمل إيه”.

من جانبه كشف الدكتور محمد العبد، عضو مجلس “نقابة الصيادلة”، عن نقص نحو 800 صنف دوائي بالأسواق، وذلك وفقًا لآخر إحصاء أجرته “تقابة الصيادلة” في شهر سبتمبر الماضي.

وأوضح “العبد”، خلال تصريحات صحفية، أن العدد قابل للزيادة بشكل كبير بعد قرار “وزيرة صحة الانقلاب” بفتح صندوق مثائل الأدوية البشرية دون التقيد بـ 12 مثيلاً.

أسباب الأزمة

منذ تعويم الجنيه الذى أقره العسكر، وشركات الأدوية تقاوم الخسارة المحتّمة والإفلاس، فتحرير سعر صرف الجنيه أدى لارتفاع سعر الصرف إلى أكثر من الضعف، إذ قفز سعر الصرف من 8.88 جنيه مقابل الدولار ليلامس في الوقت الحاليّ قرابة 18 جنيهًا لكل دولار، وهذا شكل عبئًا كبيرًا على شركات الدواء المصرية البالغ عددها 154 مصنعًا توفر نحو 92% من احتياجات المواطن من الأدوية والمستلزمات الطبية، وحسب تحاليل عديدة ترى أنه لا وجود لاستقرار سعر الصرف على المدى المنظور، وتشير التوقعات إلى ارتفاع السعر إلى حدود 30 جنيهًا في العام المقبل 2017 في أفضل التقديرات.

فالمشكلة عند تلك المصانع أنها تستورد المادة الخام من الخارج، وعند ارتفاع سعر الصرف إلى هذا السعر يعني أن فاتورة استيراد المواد الخام زادت على الشركات بنحو الضعف، هذا التغير في الفاتورة أجبر مصانع الأدوية على رفع الأسعار، والمعلوم أن أسعار الدواء تخضع لتسعيرة جبرية من قبل الحكومة على المصانع، وكذلك على مستوردي الدواء، وفي حال التزام الشركات والمصانع بهذه التسعيرة ستتكبد خسائر مالية طائلة.

زيادة الأصناف

ويرى الدكتور “محمد العبد”، عضو مجلس “نقابة الصيادلة”، أنه “طول ما الاسم التجاري مسيطر ستزداد نواقص الأدوية، واقتصاديات الصيدليات لن تتحمل هذه الزيادة في الأصناف بعد قرار وزيرة صحة الانقلاب، كما أن أدوية الفقراء (الأدوية المزمنة) لن تتحمله أيضًا لأن الشركات ستضطر لزيادة أسعارها”. وأضاف أن قرار فتح صندوق المثائل سيؤدي لتراكم الأدوية منتهية الصلاحية في الأسواق.

كانت “وزيرة الصحة” بحكومة الانقلاب قد أصدرت قرارًا بتعديل سياسة تسجيل الأدوية، والذي يقضي بفتح صندوق مثائل الأدوية البشرية دون التقيد بـ 12 مثيلا.

ونص القرار الذي حمل رقم 645 لسنة 2018، على قبول طلبات تسجيل الأدوية بما يجاوز العدد المحدد في صندوق المثائل المشار إليه في قرار رقم 425 لسنة 2015، وذلك في حالات محددة وهى المستحضرات المدرجة لقوائم نواقص الأدوية التي ليس لها مثيل خلال العام السابق من تاريخ القرار الحالي، أو التي تحددها الإدارة المركزية للشئون الصيدلية طبقا لاحتياجات السوق.

Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2016-11-28 03:13:33Z | http://piczard.com | http://codecarvings.comþþÿëp)þ

“مافيا الدواء”

بدوره، حذَّر الدكتور أحمد فاروق، أمين عام نقابة الصيادلة السابق، من استمرار تحكم مافيا الدواء في السوق المحلية، مشيرًا إلى تسبب تلك المافيا في اختفاء عشرات الأصناف الدوائية من الصيدليات.

وقال فاروق، في تصريحات إعلامية، إن عشرات الأصناف غير موجودة في الصيدليات”، مشيرا إلى أن المريض يتعرض الآن لمؤامرة بسبب مافيا الدواء، مطالبًا “صيادلة البرلمان” بتقديم طلبات إحاطة عاجلة لوزير الصحة عن نقص الدواء؛ نظرًا لمسئوليته عن تفاقم الأزمة.

أدوية على الرصيف

ارتفاع أسعار الدواء بما يتجاوز قدرات المرضى الفقراء دفع كثيرا منهم إلى البحث عن بديل، ومن ثم وجدت الأسواق الشعبية التي تعرض بعض الأصناف الدوائية كثيرة الاستخدام رواجا غير مسبوق، وهو ما يفسر حالة الزخم التي فرضت نفسها مؤخرًا على منصات التواصل الاجتماعي بشأن الصور المتداولة لأدوية تباع على الأرصفة والطرقات شأنها شأن السلع والأجهزة المستخدمة.

وتنتشر هذه الظاهرة في عدد من الأسواق المصرية الشهيرة في مناطق السيدة عائشة بالقاهرة، وشبرا الخيمة بالقليوبية، وسوق إمبابة بالجيزة، حيث يفترش الباعة علب الدواء على الأرض بأسعار رخيصة جدا مقارنة بما هي عليه في الصيدليات، الملفت للنظر في هذه المسألة هو الإقبال الكبير عليها.

حياة المصريين على المحك

في عام 1992، نشر معهد الأمراض المعدية بالولايات المتحدة الأمريكي بحثًا علميًا تطرق إلى مخاطر تناول الأدوية منتهية الصلاحية أو المغشوشة. البحث حذر وبشدة من المخاطر الصحية الناجمة عن تناول هذه الأنواع من الأدوية، وفي مقدمتها أنها تقوم بتكسير كرات الدم البيضاء، وبالتالي تحطم جهاز المناعة بشكل كبير، وذلك بعد تدمير الصوديوم والبوتاسيوم فى خلايا الجسم، مما يؤدى لسرعة ضربات القلب فتحدث الوفاة.

وهذا ما أشار إليه الدكتور أحمد مصطفى، عضو الصيادلة، حيث الغالبية العظمى من المرضى المصريين فقراء، وهو ما يعمق من الأزمة، إذ باتت حياتهم في خطر حال لجوئهم إلى المصادر البديلة في الحصول على الدواء، خاصة مع تصاعد الأزمة الاقتصادية التي انعكست على الحياة المعيشية بصورة لم تشهدها مصر منذ عقود طويلة، والتي زجت بما يزيد على ثلث المصريين في غياهب جب الفقر.

وبين مطرقة شركات الأدوية التي لا يهمها سوى مكاسبها المادية غير مبالية بحياة المرضى، وسندان تجاهل وزارة الصحة الراضخة لإملاءات وشروط أصحاب تلك الشركات، وفقدانها دورها الرقابي المفترض، يقبع الملايين من المصريين محدودي الدخل في انتظار الموت البطيء ما لم يحدث طارئ.

ليس لها بدائل

فى السياق ذاته، قال الدكتور حاتم البدوي، سكرتير عام شعبة الصيدليات باتحاد الغرف التجارية: إن “هناك نقصًا شديدًا في أدوية ليس لها بدائل بالسوق المصرية مثل الهرمونات وحبوب منع الحمل وبعض القطرات المستوردة”.

وأوضح “البدوي”، خلال لقائه ببرنامج “هذا الصباح”، عبر فضائية “cbc extra”، “لدينا نقص في مشتقات الدم، ومصر ليس لديها صناعة مشتقات الدم، ووقعنا تحت رحمة شركات الأدوية لأننا لا نملك البديل”.

وتابع: “كان هناك مصنع وحيد فى مصر لإنتاج المحاليل الطبية، ويكفي حاجة المرضى بمصر بنسبة 60%”، موضحًا أن المصنع تعثر منذ عامين في “تشغيلتين”، وعلى الفور صدر قرار بإغلاق المصنع، مما أثر على المحاليل في مصر”.

رابط دائم