06/01/2017

المسئولية

 

بقلم: د. فتحى أبو الورد

 

المسئولية كما جاءت فى معاجم اللغة هى حال أو صفة من يُسأل عن أمر تقع عليه تبعته. وهى فى السنة تشمل كل من ولاه الله تعالى أمرا، كما جاء فى حديث البخارى أن: رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها)).

وهى التى حدت برسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم أن يترك الدثار، ويهبُ عابدا داعيا بعد أن نزل عليه قوله تعالى: {يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا}، وقوله تعالى: {يا أيها المدثر قم فأنذر}  حتى نسب إليه القول لزوجه -ولم أجده-: ((مضى عهد النوم يا خديجة)).

وهى عند أصحاب الدعوات والمصلحين وقود الحركة، وباعث العمل، ودافع العطاء، وبذل التضحيات، وهى التى تهون الصعاب، وتسخر من العوائق والمثبطات، وقديما قال الشاعر:
إذا كانت النفوس كبارا *** تعبت فى مرادها الأجساد

وهى التى تصنع من المقصر مهموما، ومن الفارغ مشغولا، ومن المضيع لأوقاته مغتنما للحظاته، منتبها لخطراته.

والمسئولية بعامة، ومسئولية الدعوة بخاصة، هى التى تحيل القلب الشديد قلبا ألطف من الحرير، وهى التى تحرك دمعة العين، وهى كذلك التى خلقت فى جسم الحمام الرخو قلوب الصقور والأسود كما يقول محمد إقبال.

وهى التى تشغل بال كل من ولاه الله تعالى أمرا من الأمور، وتملك عليه فكره، وتملأ عليه عقله، فيسهر الليالى، ويكفيه من النوم القليل، ولا يهنأ بنوم إلا بعد أن يطمئن على أداء واجباته، ولا يستريح له جسد إلا بعد أن يرى السعادة فى وجوه المهمومين، ولا يجد متعته إلا وهو يسعى فى قضاء حوائج أصحاب الحقوق عليه.

وهى التى تغير من يعيش لنفسه لكى يعيش لغيره، وهى التى تجعل ممن يعيش لأسرته الصغيرة، مهموما بأسرته الكبيرة، متيما بأمته وأوطانه.

وهى التى تسمو بالآمال الفردية إلى الآمال الجماعية، ومن الآمال الخاصة إلى الآمال العامة، وهى التى تخرج الإنسان من قضاياه ومعاركه الشخصية إلى رحاب معارك الإسلام وقضايا المسلمين الكبرى.

هى التى جعلت أبا بكر يستشعر أمانة المحافظة على ميراث الوحى والنبوة حين حارب مانعى الزكاة، وقال: "لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة" معللا لذلك بقوله: "أينقص الدين وأنا حى"؟

وهى التى جعلت عمر بن الخطاب لا ينام الليل، يتفقد أحوال رعاياه، فلا يبتسم إلا بعد أن يبتسم البائس، ولا يأكل إلا بعد أن يشبع الجائع، ولا يسعد إلا بعد أن تأتيه أخبار سارة من هنا أو هناك ينتظرها.

وهى التى غيرت حال عمر بن عبدالعزيز الذى تربى فى حجر النعيم، وجعلته ينسلخ من كل مظاهر الترف، بل يتقشف ويحيا حياة البسطاء الفقراء، تسيل دموعه على خديه، يشهق الشهقة يكاد ينصدع قلبه لها، وتخرج لها نفسه، وعندما سألته زوجته عن حاله قال لها: إني نظرت فوجدتني قد وليت أمر هذه الأمة، أسودها وأحمرها، ثم ذكرت الفقير الجائع، والغريب الضائع، والأسير المقهور، وذا المال القليل والعيال الكثير، وأشباه ذلك في أقاصي البلاد وأطراف الأرض، فعلمت أن الله سائلي عنهم، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حجيجي فيهم؛ فخفت أن لا يقبل الله مني معذرة فيهم، ولا تقوم لي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة.

فهل يشعر كل صاحب مسئولية بنحو من ذلك؟

...............................................
* الآراء المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "بوابة الحرية والعدالة"