16/03/2017

محنة مصر والمصريين

 

بقلم: عامر شماخ

 

لا يختلف مصريان الآن على أن بلدهما تعيش محنة -وأى محنة- والحال لا تخفى على مبصر، فأينما اتجهت ببصرك وجدت شاكين من (وقف الحال)، و(قلة المال)، و(غلاء الأسعار)؛ وتلك شكوى الجميع لا يُستثنى أحدٌ منها؛ إذ الجميع فى كرب وبلاء مما آل إليه المعاش، وكان فيما مضى ميسرًا لا يمثل عبئًا كعبء اليوم، ولم نشاهد أو نسمع أن طائفًا مس المصريين كما هو الآن.

يعيش القطاع الأكبر من المصريين، من لا اهتمام لهم سوى العيش بكرامة، وتعليم الأولاد، وسترة البنات -حياة صعبة، وهم من عاشوا يتقربون إلى الحاكم الذي يؤمِّن لهم لقمة العيش، دون تمييز، لا يهمهم من قريب أو بعيد إن كان مستبدًا جائرًا، أو إمعة تابعًا؛ لأنهم لا ينظرون إلا إلى مصالحهم، وقد ورثوا هذه الفكرة كابرًا عن كابر.. الآن أخذتهم الأسعار، والغلاء والمحن إلى جوهر القضية، ولب المشكلة، وباتوا يطرحون سؤالا مهمًا: من فعل هذا بنا إنه لمن المفسدين؟!

أما على مستوى قطاع آخر، وهو القطاع المهتم والمهموم بأحوال البلاد والعباد؛ من النخب والمتعلمين والنشطاء والرواد، فيرون الأمور أصعب بكثير مما يراها القطاع الأول، فلو اقتصر الأمر على الأسعار والغلاء لاعتبر هينًا؛ لكن القضية أصعب وأمرّ من ذلك. القضية الآن قضية وطن يباع، وقد قرر البائعون قبل إتمام الصفقة أن يخلوه من أى بارقة أمل لإنقاذه، أو استعادة مقدراته.

أما بيع الوطن فليس بيعًا معنويًا كما يفهم البعض؛ بل هو بيع فعلى، فهنالك أراض وجزر استقطعت من مساحة مصر التاريخية، وتم البيع جهارًا نهارًا، وهناك مساحات تمثل نسبة فى مساحة المحروسة فى جهات مصر الأربع يتم تجهيزها لتسليمها فى ساعة محددة وتوقيت بعينه؛ هذا التوقيت هو استكمال تخريب البلاد، ونشر الفوضى، وخروج الناس إلى الشوارع والساحات يقتل بعضهم بعضًا؛ بعدما يجف الزرع والضرع، وبعدما يعم الفقر، وينتشر الوباء، وترخص الدماء، ويصير انتهاك العرض كمن تجرع شربة ماء؛ ساعتها يكون الناس أشباه الناس، ويطلق عليهم -تجاوزًا- لفظ بشر، ووقتها يبيعون كل شىء لإنقاذ حياتهم، أما دفاعهم عن أرض أو عرض، أو تصديهم لعدوان خارجى فهذا ما لا يقدرون عليه ولا يأتى لهم على بال.

يتراجع البلد للوراء، ومن دون أسباب، ويسجل كل يوم رقمًا جديدًا فى قائمة الدولة المتخلفة، فى كل شىء؛ ما يؤكد أن فى الأمر «إن»، وأن مخططًا جهنميًا يدبر لهذا التراجع الفظيع وغير المسبوق، وأن هناك من يضع العراقيل الكبيرة لئلا يسترد هذا البلد ما فقد منه، أو حتى يقلل وتيرة هذا التراجع الذى بات يكرّس التبعية المقيتة والتخلف المزرى، والفقر المدقع، والمرض الموجع، والجهل المهلك، ناهيك عن الانقسام، والفرقة، وفساد الأخلاق والذمم، وتفسخ المجتمع، وانهيار قيمه وأعرافه، وسيادة قانون الغاب، الذى تكون فيه السيادة للأقوى، والأقبح، والأسوأ، والأكثر إجرامًا.

وإن أمهر المحللين الآن، وأدق الخبراء يجمعون على أن هذا المشهد يمثل بداية النهاية واقتراب الخاتمة، وهى فى اعتقادهم سوداء قاتمة -إن لم يتداركنا المولى بعنايته؛ إذ ليس لها من دون الله كاشفة؛ فما تسلّط -فى اعتقادهم- مستبد على بلد كما العسكر على مصر منذ صيف 2013، ولو أن المستبدين فعلوا مثلما فعل العسكر من كبت الحريات وإهدار الحقوق ومواجهة شعوبهم بقوة الساعد والسلاح؛ فإنهم لم يرقوا إلى درجة التبعية التى يقوم بها العسكر؛ إذ القرار فى مصر صهيونى صرف، ويهود لا يفعلون إلا لمصالحهم؛ ومصلحتهم الأولى فى استئصال الإسلام من أرض الكنانة، والانتقام لهزيمتهم فى خيبر، ثم فى تحقيق حلمهم الموعود، بالتوسع فى دولتهم من الفرات إلى النيل، وهذا لا يكون إلا بخلو الساحة من المجاهدين الذين يتم التنكيل بهم منذ 2013 وحتى الآن.

لا شك أن كل الشواهد تؤكد أن هناك محنة طالت مصر والمصريين، ولا شك أيضًا أن البلاد والعباد ستدفع الثمن غاليًا، لكن لو أن هناك أصحاب عقيدة سليمة، يتحلون بما تحلى به السلف الكريم من صبر وتجرد وجهاد وتضحية، لهانت الأمور، ولمرت المحن كما مر غيرها، ولخلفت وراءها نصرًا وفتحًا ورزقًا وربحًا، ولقطع دابر الذين كفروا، ولأجهضت مخططات المنافقين، وكيد الكائدين، ومكر الماكرين.. أقول قولى هذا مؤملا فى وعد الله لعباده المؤمنين، ملتمسًا الخيرية فى هذه الأمة المباركة.. ولله الأمر من قبل ومن بعد.

-------------------------------------------------------------------------
المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

****---***