17/04/2017

صك التنازل!

كتب: فجر عاطف

حلّ الليل بسواده وظلمته؛ وتسللت طوارقه تبحث عن صيد جديد لها تحارب فيه ما تبقي بداخله الإنساني من جوهر؛ كان الهدف أن يتحلل الإنسان وينصهر ويبدو مثل تلك الطوراق كائنا شبحا يتعجب علماء الوارثة في كيفية تحوله الجيني حتي وصل إلي ما هو عليه من كينونة ظاهرها يشبه البشر؛ وفي الباطن تحللت خواصه الآدمية وتسربت منه بحيث لم يعد له منها إلا الذكري، تم هذا التحول منذ عصور قديمة بعد أن اختبرت تلك الكائنات طعم الرجس حتي ألفته فباتت تتغذي عليه بأكثر من أعشاب الأرض الطيبة، أمات القذي طهر النفوس، وتمدد حتي صنع تحولا جذريا في تلك الخصائص والسمات التي كانت في يوم من الأيام إنسية، فمن حيث الوجه فقد تصلبت القسمات بحيث لم تعد قادرة علي إعطاء أي انطباع بفرح أو حزن..ومن حيث القلب فقد بات أشد من الحجارة وأقسي...
*****
لا يكفي من الرجس جرعة أو جرعيتن لصاحبها حتي يتغذي ويقوي؛ بل يلزمه أن يشرب منه القدور والقدور، ولم يكن هناك من تلك القدور ما يكفي الجميع؛ ومن ثم فقد كان الحل هناك..عند ماردهم الأكبر..كان الحل هو العهد مع الشيطان..!
وعهد الشيطان طريق في الحياة؛ خطة يرسمها لهم فلا يجدون غيرها مناصا حتي يتحصلوا علي جرعاتهم اليومية من الدنس المهراق ليقووا ويتمددوا؛ كان عهد الشيطان عليهم أن يجدوا لعالمهم أنصارا جددا كل يوم؛ أن يذبحوا الإنسانية من قلوب البشر، فيتداعوا للحياة المكفهرة المظلمة بعد أن تفني تلك النقاوة و الطهارة من الوجود فتنتشر الدناءة والفحش في كل مكان؛ كانت الخطة واضحة المعالم ولكنها طويلة وممتدة..لم يكن ذبح الإنسانية من القلوب بيسير؛ كان من الأيسر عليهم أن يقتلوا الإنسان نفسه فيتغذوا علي دمه ولحمه وعظمه..ولكن العهد..هو العهد...فخطة الشيطان ليست في مقتل البشر ودفن الأجساد، وإنما في قبر الشعور ووأد الوازع الفطري النبيل؛ فيتكاثر الرجس في كل مكان..ليتغذي المارد.. ويترك المائدة متخمة لتابعيه وكل من قَبِل معه بالعهد.. !
*****
خرجت تلك الطوراق من اليلل تبحث كعادتها عن كائن إنساني الفطرة والشعور، عن صاحب أمل وبشارة خير ينثرها كرياحين نضرة علي الجميع..
وهناك وعلي جانب المسجد كان خارجا لتوه يحمل عن الناس بعض ما أهمهم؛ كان مبتسما باشا يقدم من بذل نفسه حتي تفني الحاجة والعوز والألم من قاموس البشر، كانت صنعته للخير دليلا علي هذا الإنساني في داخله الذي يبحثون عنه ليفنوه فبل أن يفنيهم، ألا.. فليرتد الخير والطهر، ولتبقي الرذيلة حية إلي الأبد..
وعلي عجل..انقصوا عليه واقتادوه أسيرا ليفاضوه علي توقيع صك الاعتراف !!
ظلت مساحة الخير مضيئة بداخله مبهجة تشع من عينينه ..فخشوا معها أن تتسرب إلي نفسوهم فتفضح ما بداخلهم من دنس، فقرروا أن يغلقوا تلك الأعين الوضاءة علّ ما بها من وهج يذبل ويندثر؛ وبمزقة سوداء بالية حجبوا الضوء عن الأعين النضرة؛ ظانين خطأ أن ضوؤها ينبعث من الخارج غافلين عن مصدر علوي يبقي الضوء حيا ولو تحت أقبية من الركام والأثمال..!
أما تلك اليدين الممتدة بالخير المترنمة نحو الحرث والزرع.. فلتتقيد من خلفهما ..حتي ينحسر نهر العطاء عن ضفتيهما فيعم الجدب والظمأ في كل الربوع الخضرة المورقة..فتسقط الأوراق عن الشجر المُونِعَ، وتغدو المروج صحراء مقفرة..!
وهنا فقط بدأ الحديث... بعيدا عن ضياء الصفاء والنقاء، وبعد تحجيم يد الخير والنماء..هنا فقط بدأ يتضح المُرام..!
فأنت أيها الإنسان..كل ما هو مطلوب منك حتي تفز بالحياة من جديد أن تصير مثلنا مسخا..أن توقع صك التنازل عن تلك الإنسانية البلهاء التي تجعلك تنفق بلا حد، وتبذل بلا سقف، وتنام بلا قلق..
كل ما هو مطلوب منك أن تنحر إنسانيتك هنا قبل أن ترحل ونعدك أن يظل هذا سرا لا يعرفه أحد؛ فستعود إليهم كصورتك الأولي ولكن بعد أن تصير مثلنا مسخا ..مسخا له وجه البشر..!
فقط اقبل أن تزود عن الشيطان وعن معاهديه، وصُم أذنيك عن أنين الحياري وصرخات الضعفاء والمكلوميين..انهض فعافر وجاهد من أجل ميراث الرجس، وانسي عراك الحياة النبيل الخيّر إلي الأبد..
*****
ظلت ملامح الإباء والشمم ترتسم علي ما يظهر من خلف عصابة عيني هذا الوجه الإنساني القوي المثابر، كانوا علي دراية بأن معلم القوة هذا هو نفسه كنه تلك الإنسانية التي يريدون اغتيالها وأن نحرها ليس صكا يوقع، بل بلادة حس وجبن طبع ودناءة خلق يجب أن تُزرع، ولكن..حتي يحدث كل هذا لابد أولا من التخلص من تلك القوة الخفية مثار سخطهم وغضبهم، فقد كان وهو المكبل المغمي عينيه هو الذي يستهزيء بهم ويكيل لهم الضربات الموجعة في كبريائهم وأنفتهم الباطلة...ثاروا حينها انتقاما ممن عصف بكبرياء دنسهم، وقرروا أنه طالما لم تفلح محاولات اقناعه بالتنازل عن إنسانيته برضاه، فليتم اغتيالها بأيديهم هم ..
فلتتهشم تلك القوة الخفية الغير ظاهرة؛ ولأنهم ما كانوا ليفقهوا كنهها وأغوارها فقد ظنوها شيئا مستترا خلف الجسد متحصنا به ومتلحفا بعباءة اللحم والعظم والجلد..ومن ثم فخطتهم بدأت بتحطيم هذا الجسد واشباعه ضربا وركضا ولسعا بالسياط وبألسنة النيران المتلهبة الموجعة..!!
ولكن أيا عجبا..أفبعد كل هذا العذاب لايزال هذا العناد قائما، أمازالت تلك اليد الخشنة المتهالكة من شدة السياط وقسوة الوشاج ترفض أن توقع صك التنازل...
يبدو أن هذه القوة الخفية لا تتدثر بعباءة العظم واللحم، وإنما هي كامنة في تلك الروح ذات الكرامة والحياء والعزة..فلتنزعوا عن هذا الكريم دثاره..ولتحرجوا جسده بين يديه فيراه مهانا منتهكا..فلربما حدثته نفسه حينها بأن يقي جسده ويلات الفضح وأنات الهتك والخجل..!

ومع كل هذا...فقد أُسقط في يدهم..بحثوا كثيرا عن هذا الكنه الإنساني الخافي عليهم فلم يجدوه، كانت عبراته تتسقاط علي وجهه المعصوب فتتراءي لهم وكأنهم قد نالوا منه أو فازوا بمأربهم؛ في حين يبقي مع دمعه باشا مبتسما يرميهم بنظراته الثابتة الموجعة..
*****
وهناك ..كان صاحبنا علي موعد مع أغوار نفسه تحدثه ويحدثها.. فرغم آهات البدن وأوجاعه، ورغم نزيف النفس الشمّاء حزينة علي ما ألمّ بها من مذلة وهتك؛ إلا أن الروح مازالت كما هي علي عهدها لم تتزحزح، فبذرة اليقين والثبات والأمل، قد آن وقت حصادها فأورقت علي قلب صاحبها حصونا منيعة ضد نوبات النكوص أو الخذلان أو الكلل، وسحائب ندي الإيمان التي جمعها في طوال طريقه في الحياة قطرة قطرة، قد أمطرت علي نفسه ترطيبا يقيه من الجزع فبات يستشعر البرد والسلام وسط نيران السياط وحسرات الهم والكدر..

لم يكن يعلم متي سينتهي عنه هذا العذاب، أو كيف ستري عينيه نور الحياة من جديد، أو هل ستنفك عن معاصمه إسارها ليعود إلي البذل والعمل، كان يؤرقه أن يظل مقيدا عن مد يد الخير، وهو يعلم ما حوله من كثرة الأنين والمحن..استجمع كل قواه حتي لا يعجزه الحزن، فاق كل توقع.. فقرر أن يكون في أغلاله وأسره هذا عونا لغيره رغم المحنة، تعدت نظراته موقع جلاديه، فلم يشغلوه، بل انطلقت خواطره منعتقة أبية، فقرر أن يكون عطاؤه من وسط محنته هو رسالة الأمل ..أرسل بها عبر بشاشة وجهه التي لم يفقدها..وعبر ترنيمة الصدق التي لم ينجحوا أن يثنوه عنها، وعبر مشاعر نفسه المنتصرة رغم ما ألمّ بها بلا قنوط أو جزع..!
خارت قواهم في أن يبددوا في نفس كهذه إبائها، واستمرت حربهم لتبحث عن غريم جديد..!!
......................................................
المقالات المنشورة تعبر عن آراء كاتبيها لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة

****---***