18/05/2017

 
خطايا من خطيئة كبرى

 

عامر شماخ

باتت المحروسة بلدًا طاردًا، وموطنًا تصعب فيه الإقامة، بعد أن كان ملجأ العلماء والمفكرين، وقبلة الأمراء والسياسيين، وموئل كل صاحب حاجة، من شتى بقاع الدنيا.

ما من يوم إلا وواحد يقول لى: أريد الخروج من هذا البلد، بعدما ضاق عيشه، وقل خيره، وكثر شره، وغمض مستقبله وحكمته عصابة قد استحلت القتل، وخرّبت العامر، ولازالت تقطع أطراف البلاد، بيعًا وإهداءً.

يشكو الناس من إعلام كاذب، مهيج منبطح، ومن قضاء «شامخ!!»، ومن جهاز حكومى فاسد من الرأس للقدم، ومن الغلاء، والبلاء، ومساوئ الأخلاق، وحرب الإسلام، وقذف المحصنات وإعلاء الساقطات حتى صار فى بلدنا -بلد الأزهر- المنكر معروفًا، والمعروف منكرًا.

ويغفل الكثير عن السبب الحقيقى وراء هذه الكوارث التى حلت ببلدنا، وصاروا يتحدثون فى العَرَض وينسون السبب، ويلومون الضحية ويتركون الجانى، ولو تدبروا قليلا لأيقنوا أن مصر الغالية وقعت فى مهاوى الردى من بعد 30 يونيو 2013، يوم تمت المؤامرة على رئيسها الشرعى المنتخب، وقد سجن بعدها الأطهار، وقتل الأبرار، وطورد أصحاب الحق، ومُكِّن -فى المقابل- للمعاتيه، وأرباب السوابق، وكارهى الدين، فأنى ينهض البلد؟!.

إن الذى استحل السطو على حكم البلاد، وغصب مقدراتها، وفتح أبوابها لأعدائها ينتهبونها -لهو أشد استحلالا لأرضها، وأكثر بطشًا بأبنائها، ولا يعنيه -من قريب أو بعيد- طريقة عيشهم، إنما يهمه -فى المقام الأول- كرسيّه، وعرشه ومناصب أفراد العصابة الذين مكنوه من هذا الحكم، ثم بعد ذلك مخصصات الأبناء، والأحفاد، والأقارب وأصحاب الحظوات، لا يعنيهم خرب البلد أم عَمُر، ولا يشغلهم شقاوة الناس أو سعادتهم... وهذا -فى حد ذاته- كاف لإيصال البلد إلى ما وصلت إليه، فلو أضفنا إلى ذلك -وقبل كل شىء- عدالة السماء، وأن الله لا يصلح عمل المفسدين -لأيقنا أن ما نحن فيه الآن إن هو إلا مقدمات، وإنذارات لهؤلاء المجرمين لعل رجلا رشيدًا من بينهم يعيدهم إلى صوابهم، ويهديهم إلى سواء السبيل، وإلا فالعاقبة أشد وأنكى؛ إذ لا يقف أمام جبروت الله شىء، الذى أنذر وتوعد من كانوا قبلهم، وقد أساء صباح المنذرين.

ولو قُطع دابر هذا الانقلاب، واقتص ممن قاموا به بأيدى الشعب، لانفض سوق الإعلام الكاذب، وبهتان القضاء «الشامخ»، ولاستوى الجميع، ولعادت البسمة إلى وجوه المصريين، الذين كفروا بكل شىء، وبلغت قلوبهم الحناجر، وقد ظنوا بالله الظنونا. ولسوف يختفى سوق الهجوم على الإسلام، المدعوم من الغرب ومن الصهاينة، ولسوف يدخل المنافقون والطائفيون والشهوانيون جحورهم، أما والانقلاب قائم، والدبابة موجهة مدفعها ناحية الشعب، والسجون مشرعة الأبواب لكل من يقول ربى الله؛ فلا أمل فى اختفاء تلك الخطايا، بل نتوقع استفحالها، وتعدد ألوانها، وتطاولها على الثوابت حتى يكفر الناس بالله، ويؤمنوا بالطاغوت، ولا حول ولا قوة إلا بالله...

لماذا لا يعتبر العلماء الثقات إسقاط الانقلاب فرض عين، ضمن باب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر؛ لإسكات تلك الأصوات الغوغائية المنفلتة، التى تلقى باللائمة على قيادات وكيانات وأفراد من خارج السياق، وتترك سبب تلك المصائب، ولا يعترفون أن كل الرزايا التى ابتلينا بها على مدى السنوات الأربع الماضية، هى بسبب هذه الجريمة الإقليمية/الدولية التى نفذها عملاء الداخل بتلك الصورة الشائنة، وقد نتج عنها ما يميت الأحرار كمدًا وقهرًا.

إننا إذا ركزنا الجهود، أفرادًا وجماعات، حول النيل من رأس الأفعى والإجهاز عليها -نجحنا فى التخلص من سمها وجسمها وذيلها، أما إذا بقينا نتحدث فى الأعراض والأمراض، فلا عذر لنا إن بقيت هذه العصابة تحكمنا أجيالا أخرى ولا حيلة لنا، بل نحن معاتبون من الله، الذى أمر المؤمنين بالكياسة والفطنة، وألا يكونوا كالعبد الأحمق الذى لا عقل، أينما يوجهه سيده لا يأت بخير...

استقيموا يرحمكم الله، واعلموا أن الذى اقتحم داركم واستولى عليها هم العسكر، فلا تنشغلوا بمن يحرس الدار، وبمن يحلل استيلاءهم عليها، وبمن يستأجره العسكر لبث الشائعات.. هناك جناة وضحايا، وحقوق ومظالم.. وما ضاع حق وراءه مطالب.

........................................................

المقالات تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي بوابة الحرية والعدالة

****---***