08/11/2017

زنزانة العم إبراهيم

 

بقلم: فجر عاطف

 

تحاول تلك الأسطر أن تتسلل لتبحث عن القصة رغم عتمة الظلام وصعوبة التنفس في هذا الهواء المثقل بما يحمله من تأوه وأنين وأسى..

 

ولكن.. حتى الآن فالزنزانة معتمة و"العم إبراهيم" واقف فيها لا يستطيع أن يجلس على الأرض الأسمنتية الجافة لأنهم أغرقوها ماء إمعانا في إذلاله حتى يعجز عن الراحة أو النوم.

 

ماذا عساه يمكن أن يفعل هناك حتى نتابعه ونحكي قصة في بضعة أسطر من خلف تلك الغرفة الضيقة التي لا تتجاوز مترا ونصف طولا ومترين عرضا، حتى تلك النافذة الصغيرة قد أغلقوها، حيث منعوا عن هذا المحبس الانفرادي أي بصيص للضوء أو منفذ للهواء، فصار اليوم كله سواد حالكا يستعصي على "العم إبراهيم" فيه أن يعرف أوله من آخره أو ليله من نهاره.

 

ربما يمكننا أن نحكي قصته مع تلك القوارض والهوام الأرضية التي اقتحمت عليه خلوته وشاركته أيامه الطويلة عنوة ودون استئذان، فقد كانت هي المخلوقات الوحيدة التي يمكن له أن يراها بعد وجه السجّان، على الرغم من أنها مثل غيرها لم ترحمه فتتركه لحاله دون تعذيب فقد كانت كأنما تسلطت عليه فأخذت تستنزف ما تبقى في عروقه من دم، فتسلبه إياه قطرة قطرة.. حرمته حتى من محاولة النوم واقفا أو الاستلقاء أرضا رغم المياه.. هذه المحاولة الأخيرة أيضا كانت عصية على التنفيذ فلم تكن المياه صافية أو نقية، حيث يأمن مكرها وخداعها ويستسلم لآلام قدميه فيسمح لهما بالرقود قليلا، بل كانت المياه أرضا ذات رائحة نفاذة لا تغني معها محاولة صرف الذهن بعيدا والظن الطيب فيها، بل كانت تؤكد أنها قادمة إليه لتؤذيه وتحيل طهارة جسده إلى ضدها بعد أن عجز الزبانية أن ينالوا من طهارة نفسه ونقائها.

 

ومثل الحوائط والأرض في الغلظة والقسوة، كان الطعام المقدم له في الزنزانة، بل الأصح أن نقول إنه ما يطلق عليه صفة الطعام تجاوزا، لأن من يفتح باب هذا القبر المعتم ويلقي لساكنه بوعاء مقعر سميك متكسرة حوافه، لم يكن يلقي سلاما أو كلاما، بل كان يصف هذا الوعاء الكالح باسم "الطعام" ويتركه ويرحل، فيمسك "العم إبراهيم" بالوعاء ويقلب جوانبه أعلى وأسفل ويمنة ويسرة، ولا يعرف كنه هذا الشيء الملقى به إليه، ترن في سمعه كلمة طعام، فيحاول تصديقها من شدة الجوع وألم البطن، فيهم بتناول هذا الفتات المبلل محاولا إقناع نفسه بأنه يفي بالغرض، ثم ما تلبث معدته أن تلفظه ثائرة معلنة رفضها الصريح لتصديق هذا الادعاء الكاذب أو تلك المراوغة الخادعة لتكف عن التلوي وتصمت عن ندائها المشروع في لقيمات تُبقي بها صاحبها متماسكا على قديمه لا يزيغان به فيسقط أو ينهار أرضا.

 

وبعد.. ما أشد الحيرة إذن، ولكن.. ربما كان في إمكان تلك الأسطر أن تنقل قصة الفأر عندما تسلل في العتمة إلى هذا القبر الموحش يقينا منه أنه جحر لا يليق إلا به، ولا سكان فيه إلا من هم مثله إما من الطوراق أو القوارض.

 

فيا لها من لحظة مباغتة عندما فاجأ الفأر "العم إبراهيم" منقضا عليه، فكلاهما في الظلام أعمى لا يكاد يرى بين يديه، وعندما استقر قلب "العم إبراهيم" وأدرك أن كل ما حدث ليس أكثر من أن وجهه قد زاره فأر سيشاركه منذ الليلة في تلك الزنزانة بل سيزاحمه افتراش تلك المياه الآسنة ويستند إلى جواره بتلك الحوائط البالية ذات السكان الزاحفة.. هذا كله سيتم وهو عنه في خباء، لا يستطيع تبين موضعه حتى يحذره، أو يراه فيدفعه بيد أو بقدم.

 

والأهم من هذا كله، فكرة أرقت "العم إبراهيم" وجعلته ينتفض ويمسك بما تبقى عليه من ملابس رثة بالية، فهذه الفتات من الخيوط المتراصة هي ما بقي يستره بعد أن مزق الزبانية أغلب ما كان عليه إبان تعذيبه نفسا كما عذبوه جسدا، معلنين عن وجه لا يعرف للكرامة أو الحياء اتصالا أو قرابة أو حتى جوار من بعيد.. خشي "العم إبراهيم" من أن ينسل هذا الفأر إليه طامعا في أن يقرض تلك الخيوط ويشارك الزبانية في دناءة الفعال وحماقة الانتقام.

 

تمر الأيام والليالي وتتابع وليست هناك أحداث يمكنها أن تُروي في تلك القصة، حتى أن وجه "العم إبراهيم" قد غابت عنا ملامحه بعد أن غاص بين لحيته الكثة وشعره الكثيف الممنوع عليه مغادرة الزنزانة لِماما ريثما يعمل على تهذيبهما أو التخلص من أذاهم، فهما وفي ظل هذا المكان قد أصبحا مرتعا لكافة قوارض وهوام الغرفة ممن وجدوا هذا الوجه بما عليه أطيب سكنى من الحوائط بجيرها المتساقط وشقوقها المتيبسة وأحجرتها المتصدعة.

 

من الطبيعي ألا يسمح الظلام للعينين أن تريا ما حولها أو أن تدرك كنهه بدقة، ومع ذلك فاستمرارها مفتوحين يشوش على ما بقي في ذهن "العم إبراهيم" من تصورات وأفكار كانت هي آخر ما بقي له امتلاكه، وما عجزوا عن مداهمته أو الإطاحة به.

 

أغلق عينيه وسبح في أطياف الخيال الرغد يحاول استرجاع صور أهله وأبنائه، فها هي ملامح زوجته الصبورة الحنون، وتلك أمه السيدة المُسنة التي ستُحرم في أيامها الأخيرة من أن تأتنس بأكبر أولادها أو حتى أن تبيت قارة هادئة بلا حزن أو قلق عليه، كان يبذل جهدا ومشقة كبيرة في استرجاع تلك.

 

الصور والملامح خشية أن يفقدها أو أن تتوه من ذاكرته مع طول الفراق ومرارة الظلام وقسوة الصعق والتعذيب والذي كان يعود منه زائغ العينين شارد الذهن لفترة لا يكاد يملك لباب تفكيره أو إدراكه إلا بعد مدة منه، وما يلبث الألم أن يزول قليلا ليتمكن بعده من الإدراك والتركيز شيئا ما، فتعاوده الزباينة مرة أخري بالصعق من جديد.

 

الحقيقة أن تتابع هذا الألم وقسوته ترك فيه الخوف من أن يتملكه مرض النسيان أو أن تنتابه صعوبة في التركيز أو الفهم، بخلاف أن اعتياد العين على الظلام وافتقادها الدائم لكافة مصادر الضوء، قد أنذره بضمور وإظلام إلى الأبد، ومن ثم فقد بات مرانه منذ أن انتقل إلى هذا القبر الموحش أن يستعيد ملامح أحبته ليظل متذكرا لهم؛ يحادث طيفهم ويوهم نفسه أنه يخاطرهم عبر الأثير، فيهمس لهم برسائله التي يترنم بها عبر الأفق.

 

خشي "العم إبراهيم" على بصره فبات يستذكر من غاب عنه من الأحبة، أما بصيرته فقد كانت مطمئنة ساكنة تتصل بمنهج الحق وبمن بيده الأمر والنهي، يؤدي صلاته حسب ما يتسير له في هذا الأجواء، ويقرن الصوم بالصوم محتسبا فقر جوفه ومكابدة وعراك بطنه عند خالقه راجيا منه المثوبة والأجر، وأفضل عبادته كانت اتصال لسانه بالذكر وقلبه باليقين والأمل.

 

وإلى هنا فقد تركنا "العم إبراهيم" رافعا يده بالدعاء والتضرع، لم يوهن إيمانه ما ألمّ به بل زاده يقينا وتجردا في سعيه نحو أنبل الغايات، لم تكن هناك إذن خلف تلك الجدران أحداث أو حكايات، ولم تكن هناك من قصة أو سرد أو صراع أو حبكة، عادت تلك الأسطر لتعتذر بما شاهدت، وتحتفظ بالمداد حتى تنفتح تلك الزنزانة الموحشة ويخرج "العم إبراهيم" سالما يتابع قصته بنفسه ويشي لنا بما حدث..!!

 

------------------
المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي "بوابة الحرية والعدالة" وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها. 

****---***