14/11/2017

خديعة القومية وتداعياتها

 

بقلم: د. عز الدين الكومى

 

حينما استقلّت الدول العربية فى الثلث الأول من القرن العشرين، لم تتركها الدول الاستعمارية حرة كما توهم البعض، وإنما قيدتها بقيود القومية، فصارت كل دولة تعتز بقوميتها الخاصة وتتنازع وتتناحر وتتنافر مع الدول الأخرى لأتفه الأسباب مثل مباريات كرة القدم وغيرها، كما حدث بين مصر والجزائر بسبب الكرة والقصة مشهورة.

 

لكن جنسية المسلم هى عقيدته لا قوميته، وكما يقول شهيد القرآن سيد قطب رحمه الله: الوطن دار تحكمها عقيدة ومنهاج حياة وشريعة من الله، هذا هو معنى الوطن اللائق بالإنسان والجنسية عقيدة ومنهاج حياة، وهذه هي الآصرة اللائقة بالآدميين، أما عصبية العشيرة والقبيلة والجنس واللون والأرض، عصبية صغيرة متخلفة عصبية جاهلية عرفتها البشرية في فترات انحطاطها الروحي، وسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم ((منتنة)) بهاذ الوصف الذي يفوح منه التقزز والاشمئزاز.

 

وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((دعوها فإنها منتنة)) وقال لهم: ((ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية)).. فانتهى أمر هذا النتن.. نتن عصبية النسب.. وماتت هذه النعرة.. نعرة الجنس، واختفت تلك اللوثة.. لوثة القوم، واستروح البشر أرج الآفاق العليا، بعيدا عن نتن اللحم والدم، ولوثة الطين والأرض.

 

فوطن المسلم الذي يحن إليه ويدافع عنه ليس قطعة أرض، وجنسية المسلم التي يعرف بها ليست جنسية حكم، وعشيرة المسلم التي يأوي إليها ويدفع عنها ليست قرابة دم، وراية المسلم التي يعتز بها ويستشهد تحتها ليست راية قوم، وانتصار المسلم الذي يهفو إليه ويشكر الله عليه ليس غلبة جيش، إنما هو كما قال الله عنه: {إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا} [سورة النصر] فكانت دولة الرسول صلى الله عليه وسلم تجمع بين علي بن أبي طالب الهاشمى القرشى وبين صهيب الرومى وسلمان الفارسى.

 

وعندما استعصى على الدول الاستعمارية هزيمة دولة الخلافة العثمانية بسبب ولاء المسلمين آنذاك للعقيدة والدين فقط، لذلك اخترعوا فكرة ومنهج القومية، وتم تأليب الدول العربية على الخلافة العثمانية وإثارة النعرات القومية بين أبناء الأمة الواحدة.

 

وكما قال البعض: إن أﻛﺒر ﻋﻤﻠﻴﺔ ﺍﻏﺘﺼﺎﺏ ﻓﻜرﻱ ﺣدﺛت ﺑﻌﻘوﻟﻨﺎ ﻫﻲ ﺇﻗﻨﺎﻋﻨﺎ ﺑﺄﻥ ﺍﻟﺸﺠر ﻭﺍﻟﺤﺠر والرمال والحدود الوهمية ﻭطن، ﻭﺃﻧﻨﺎ ﻳﺠي ﺃﻥ ﻧﺼﺒر ﻋﻠﻰ ﺃﺫﻯ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﺎﺕ ﻷﻧﻨﺎ ﺑﻬذﺍ ﻧﺨدﻡ ﺍﻟوطن، ﻭﺃﻧﻨﺎ ﻳﺠب ﺃﻥ ﻧﻤوﺕ فداء ﻟﻸﺳﻼﻙ ﺍﻟﺸﺎﺋﻜﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺭﺳﻤﻬﺎ ﺳﺎﻳﻜس وبيكو، ﻭﺳﻤوﺍ ﺍﻟﺤظﻴرﺓ ﺑدﺍﺧﻠﻬﺎ ﺑﺎﻟوطن!

 

وقاموا بإعطاء الأشخاص داخل الحظائر بطاقة الهوية والجنسية والقومية والعرق والنسل.. لكي يعرفوا الأشخاص تماما كما يصبغون الماشية لكي يعرفها أصحابها.. ومع أن هذه المسميات للتفرقة تجد الأشخاص يعتقدون أنهم مقدسون وذوو شأن وتاريخ عظيمين.. وكل منهم يقتل الآخر إذا عبر الصحاري إلى التراب المقدس.

 

اتفاقية سايكس بيكو أدخلت الأمة في مائة سنة من التيه والضياع، جعلت الولاء والبراء يعقد على قطعة أرضٍ مسيجة بسياج مشيك، وخرقة ملونة بألوان، من يملك ورقة تسمى "جنسية" هو أخي وصديقي ولو كان كافراً، ومن هو خارج هذه الحدود الوهمية هو ألد أعدائي ولو كان مسلما.

 

وتنكّر الفكر القومي العربي لدور الدين في بناء الفرد، لأنه اعتبر أن الأمة تقوم على عامليْ اللغة والتاريخ، ورأى أن دور الدين سلبي في حياة الفرد ويجب اقتلاعه من قلبه وعقله حتى يبعد الفرد عن الخرافة والأوهام، ولذلك لأنه قاس الدين الإسلامي على كنائس العصور الوسطى، ولم يستطع أن يملأ العقول والقلوب ببديل سليم، لذلك يتبنى القومجية شعار: (الدين لله والوطن للجميع) فالدين لله والوطن لله والكون كله لله، وكان الهدف من هذا الشعار الزائف إقصاء الإسلام عن أن يكون له أي وجود فعلي فى حياة الناس، وجعل أخوة الوطن والتراب مقدمة على أخوة الدين.

 

ويترنم القومجية دائماً بقول الشاعر:
هبوني عيداً يجعل العرب أمةً :: وسيروا بجثماني على دين بَرْهَمِ
سلام على كفرٍ يوحِّد بيننا :: وأهلاً وسهلاً بعده بجهنمِ

 

ولكن للأسف الشديد أن الأنظمة الاستبدادية العربية، اتخذت من القومية العربية والقضية الفلسطينية ستاراً لتنفيذ جرائمها، واليوم نرى دولاً عربية تحاصر دولاً عربية، ودولاً عربية تخنق أهل غزة، ودولاً عربية تدعم الصهاينة لضرب الفلسطنيين بل أكثر من ذلك دولاً عربيا استدعت الفرس لقتل وتهجير العرب، فأين هى القومية العربية؟؟

 

وقد أصيب القومجية بمرض انفصام الشخصية، ففى الوقت الذى رفضوا دخول صدام الكويت، هللوا لدخول الروس والإيرانيين إلى سوريا.

 

وكم تعرض الشهيد سيد قطب لهجوم القومجية ورموه بأقذع التهم لأنه قال حسب زعمهم:"ما الوطن إلا حفنة من تراب عفن"، على الرغم من أن هذه التهمة ألصقها به النظام الناصرى، الذى حاول الخلط بين القومية والوطنية.

 

--------------
المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي "بوابة الحرية والعدالة" وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها. 

****---***