تنطلق اليوم قمة برلين بالمانيا بشان الأزمة الليبية، بمشاركة 12 دولة، بالإضافة إلى أربع منظمات دولية، في محاولة إطلاق عملية سلام مجددًا وتجنّب حرب أهلية، برعاية الأمم المتحدة.

تستهدف القمة وضع حدّ للتدخلات الأجنبية الطامعة في مواردها النفطية، وهو ما يغذيه صراع النفوذ.

ويناقش المؤتمر الاتفاق على حظر توريد الأسلحة والجنود إلى ليبيا، حتى لا تصبح ليبيا سورية جديدة.

فيما تحدث وزير الخارجية الالمان عن مقترح منسّق السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيف بوريل، تأمين وقف إطلاق النار في ليبيا من خلال قوات عسكرية من دول الاتحاد الأوروبي، قال ماس: “حتى الآن لم يكن انطباعي من المباحثات في الأسابيع الأخيرة أن الليبيين مهتمون في المقام الأول بوجود قوات دولية”. قبل أن يشدد في حديثه على أن ألمانيا “تريد مواصلة دعم العملية السياسية داخل ليبيا بعد المؤتمر، والتزام وقف إطلاق النار مهم بالطبع لهذا المسار”.

وقبيل انعقاد القمة، دعا رئيس حكومة الوفاق الليبيّة المعترف بها من الأمم المتّحدة فائز السرّاج إلى نشر “قوّة حماية دوليّة” في ليبيا، في حال استئناف اللواء خليفة حفتر الأعمال القتاليّة.

وقال السرّاج في مقابلة مع صحيفة “دي فيلت” الألمانيّة قبل القمّة: “إذا لم يُنهِ خليفة حفتر هجومه، فسيتعيَّن على المجتمع الدولي التدخّل عبر قوّة دوليّة لحماية السكّان المدنيّين الليبيّين”.

وأضاف: “سنرحّب بقوّة حماية، ليس لأنّه يجب أن نكون محميّين بصفتنا حكومة، بل من أجل حماية السكّان المدنيّين الليبيّين الذين يتعرّضون باستمرار للقصف منذ تسعة أشهر”.

واعتبر السرّاج أنّ مهمّةً مسلّحة كهذه يجب أن تكون “برعاية الأمم المتحدة”، قائلًا إنّه يجب تحديد الجهة التي ستشارك فيها، سواء أكان الاتّحاد الأوروبي أم الاتّحاد الأفريقي أم جامعة الدول العربيّة.

وتأتي هذه القمة بعد خمسة لقاءات مكثفة أجراها وزراء خارجية وممثلو الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية، انتهت إلى صياغة مسودة اتفاق.

ولا يختلف مضمون مسودة الوثيقة عن سابقاتها في اتفاق باريس 1 وباريس 2، وإعلان باليرمو، وأخيرًا ما تسرّب من اتفاق أبوظبي، لكنها تبدو أكثر تفصيلاً بتحديد ثلاثة مسارات لحل الأزمة في ليبيا.

وفي حال الاتفاق عليها، ستحال على مجلس الأمن الدولي لإقرارها.

وكان وزير خارجيّة الاتّحاد الأوروبي جوزيف بوريل، قد دعا الأوروبيين إلى “تجاوز انقساماتهم”، والانخراط على نحو أكبر في إيجاد حلّ لإنهاء النزاع في ليبيا.

وقال في مقابلة نشرتها الجمعة مجلّة “دير شبيغل”: “إذا جرى الأحد التوصّل إلى وقف لإطلاق النّار (…) يجب على الاتحاد الأوروبي أن يكون مستعدًّا للمساعدة في تنفيذ وقف إطلاق النّار هذا ومراقبته، ربّما من خلال جنود في إطار مهمّة للاتحاد الأوروبي”.

ويشعر الاتحاد الأوروبي، خصوصًا ألمانيا، بقلق من احتمال تدفّق مهاجرين إذا تدهور الوضع في ليبيا. في هذا السياق، انتقد السرّاج مستوى انخراط الأوروبيين حتّى الآن، قائلاً: “للأسف، كان دور الاتّحاد الأوروبي حتى الآن متواضعًا جدًّا (…) على الرّغم من أنّ لدى بعض دول الاتّحاد الأوروبي علاقة خاصّة مع ليبيا، وعلى الرّغم من أنّنا جيران ولدينا مصالح مشتركة كثيرة”.

فيما تراهن الأوساط الدولية على نجاخ مؤتمر برلين في إنهاء الانقسام السياسي في البلاد، نحو إعادة تشكيل المجلس الرئاسي، وفصل الحكومة عنه سيكون في الأغلب بوجوه جديدة.

كما أن “الوثيقة التي سيوقّع عليها المشاركون في القمة تعالج الأزمة الأمنية والاقتصادية في ليبيا، بالتوازي مع ترك اختيار الممثلين السياسيين في الحكومة الجديدة لليبيّين”.

فيما يشير مراقبون إلى أنه من الضروري إعادة تشكيل المجلس الرئاسي والحكومة الجديدة من خلال لجنة الأربعين التي سترى البعثة الأممية للدعم في ليبيا أولى جلساتها نهاية الشهر الجاري في العاصمة السويسرية جنيف.

وفي الآونة الأخيرة، استضافت جنيف لأول اجتماعات لجنة الأربعين المؤلفة من 13 ممثلاً لكلّ من مجلسي النواب والدولة، بالإضافة إلى 14 آخرين ستختارهم البعثة الأممية من الشخصيات الليبية المستقلة، من دون أن يكشف شيئًا عن مهام هذه اللجنة، سوى قوله إنها ستدخل في حوار سياسي ليبي – ليبي.

كما أن مقررات برلين سيتم الدفع بها لمجلس الأمن، وسيقرّر الأخير ضرورة التئامه بكلّ أطيافه، التي تعيش حالة انقسام وعجز عن عقد جلسة موحدة، وإن تعذر ذلك فستوكل مهمة منح الثقة للحكومة المقبلة ومجلسها الرئاسي للجنة الأربعين.

ولقاء هذه النتائج التي يبدو أنها لا تسير وفق رغبات ومصالح طرفَي النزاع في ليبيا، نقلت وسائل إعلام ليبية عن مصادرها قولها إن حكومة الوفاق ستكتفي بإرسال وفد برئاسة وزير الخارجية محمد سيالة، من دون حضور رئيسها فايز السراج، إلى جنيف؛ احتجاجًا على بنود يراها طرف النزاع في طرابلس إقصاءً له وتفريطًا في موقفه الرافض لعسكرة الدولة، وربما في وقت تتغاضى فيه برلين عن اللواء المتقاعد خليفة حفتر وقواته المتربصة بطرابلس.

لكنّ الظاهر في احتجاج الحكومة، هو عدم الاستجابة لمطالبها بضرورة ضم دول تراها مهمة لموازنة الأطراف الحاضرة في القمة، منها دولتا قطر وتونس.

ويرى سياسيون أن قمة برلين ستعمل على فرض شراكة سياسية من دون إقصاء، تزامنًا مع إطلاق حوار أمني واقتصادي يهدف إلى توحيد المؤسسة العسكرية والاقتصادية.

فيما تقود إيطاليا حاليًّا حراكًا من أجل إرسال قوات أوروبية مشتركة لمراقبة وقف إطلاق النار، وفصل القوات المتصارعة وإجبارها على الدخول في مرحلة شراكة قد تكون موقتة، وتفضي إلى مراحل دائمة على أساس انتخابات ودستور.

ولعل الآمال المبيرة التي يراهن عليها الليبيون تصطدم بخليفة حفتر وداعميه من تحالف الثورة المضادة الذين دفعوه للانسحاب من مباحثات موسكو.

وهو ما عبر عنه المبعوث الأممي غسان سلامة، الجمعة؛ حيث أكد في تصريحات صحفية أن قمة برلين لن تحلّ المشكلة الليبية نهائيًّا، “بل ستوفر مظلة دولية لما سيتفق عليه الليبيون”، في إشارة إلى ما ستنتجه لقاءات لجنة الأربعين.

بينما يحاول اللواء المتقاعد خليفة حفتر، مدفوعًا برغبة حلفائه الإقليميين، التقليل من حدة غضب روسيا بعد رفضه وساطتها، فبعد أن أعلن الجمعة عن قبوله للعودة إلى موسكو، ومواصلة المفاوضات، عادت القيادة العامة للقوات ونشرت نص خطاب وجهه للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، عبّر فيه عن شكره لجهوده “من أجل إحلال السلام في ليبيا”، وهي خطوة يرى الناشط السياسي الليبي، عقيلة الأطرش، أنها لا تكشف إلا عن فوضى يعيشها معسكر حفتر، ففيما تبدو زيارته إلى اليونان قد فشلت، حاول مغازلة موسكو برسالة شكر في محاولة للرجوع إلى المفاوضات التي توسطت بها روسيا وتركيا مع الحكومة الأسبوع الماضي.

ويرى مراقبون أن جملة الإجراءات التي بدأها حفتر في ليبيا تؤكد أنه يعيش في حلقة مفرغة من دون بوصلة تدلّه على المسار الصحيح، وهو ما عبر عنه قرار قبائل موالية لحفتر إغلاق موانئ النفط الجمعة.

وأعلن مجلس قبلي شرق البلاد عن إغلاق ميناء الزويتينة بمنطقة الهلال النفطي، وهدّد بإغلاق المزيد، احتجاجًا على وصفه بـ”التدخل التركي في ليبيا”، ورفض مخرجات برلين.

وحاول المتحدث الرسمي باسم قيادة حفتر، أحمد المسماري، في مؤتمر صحفي، الجمعة، التنصل من إجراء إغلاق الموانئ، وقال إنه “موقف شعبي رافض لبرلين”، في وقت كثف أعضاء مجلس النواب الموالين لحفتر من تصريحاتهم التي تؤكد رفضهم لمخرجات برلين “إذا لم تكن في صالح الجيش”، في إشارة لقوات حفتر، وهو ما يقلص الجهود الدولية.

Facebook Comments