قبل أسبوع وقع وزير الخارجية بحكومة الانقلاب سامح شكري اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع اليونان، مساء الخميس 6 أغسطس 2020م؛ وهو ما قوبل بغضب  شعبي مكتوم لأن الاتفاقية التي لم ينشر مضمونها حتى اليوم  في إجراء يؤكد الشكوك التي تحوم حول الاتفاق يمثل تفريطا جديدا من جانب جنرال الانقلاب عبدالفتاح السيسي في سيادة مصر على مياهها الاقتصادية وفقا لقانون البحار.

ورغم أن موقع Middle East Eye البريطاني ذكر أمس الأربعاء 12 أغسطس 2020، نقلا عن مسئول تركي كبير، قوله إن مسؤولين بنظام الانقلاب في مصر سعوا إلى طمأنة تركيا قائلين إنهم احترموا مخاوف أنقرة المتعلقة بالأمن القومي أثناء إعداد الاتفاق. لكن هناك تحفظات على الاتفاقية تؤكد المخاوف التركية من جهة وإصرار نظام السيسي على التفريط في سيادة مصر على أراضيها كما جرى في التنازل عن جزيرتي "تيران وصنافير" سنة 2016م واليوم يفرط في حوالي 15 كم مربع من المياه الاقتصادية لحساب اليونان وبما يهدد المصالح المصرية والأمن القومي المصري.

فترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان وفقا للتصورات والخرائط التي طرحتها أثينا ربما يمثل حصارا قانونيا للاتفاق التركي الليبي، لكن ذلك سوف ينعكس على مصر من ناحية استمرار تهديد خط East Med لتموضع مصر كمنصة إقليمية مع خسارة مساحات ليست بالقليلة من المناطق الاقتصادية الخالصة". وحتى لو تنازلت أثينا عن بعض المياه الاقتصادية لمصر  فإن مصر في النهاية ستخسر كثيرا من مياهها الاقتصادية بالاتفاق مع اليونان بعكس الاتفاق مع تركيا الذي يمنحها كل المساحة المختلف بشأنها مع اليونان والتي ستصبح مصرية خالصة.

ووفقا للباحث السياسي خالد فؤاد في ورقة بحثية له فإن مصر قد تخسر منطقة بحرية بمساحة تقارب 15 ألف كيلومتر مربع، أي إنها تعادل مساحة محافظة الجيزة تقريباً، وتمثل 130 ضعف مساحة جزيرتي تيران وصنافير، ويمكن أن تخسرها مصر إذا ما رسمت حدودها البحرية مع اليونان وفق هوى الأخيرة. وبالتالي ووفقا للطرح اليوناني فإن مصر ستخسر مساحات مائية هائلة في منطقة واعدة بالثروات يتنازع جميع أطرافها للحصول على أي مساحة مائية مهما كانت صغيرة، تمكنهم من التنقيب عن النفط والغاز. واعتبر خطوة السيسي تكرارا لكارثة التنازل عن جزيرتي "تيران وصنافير" لترضية حلفاء النظام على حساب الأمن القومي المصر وسيادة مصر على أراضيها ومياهها الإقليمية والاقتصادية وما تضمه من ثروات هائلة. إضافة إلى ذلك، فإن الاتفاق يورط  الدولة المصرية العربية المسلمة في الخلاف التركي اليوناني المعقد بطبيعته ويؤكد انحياز السيسي باستمرار إلى كل طرف (إسرائيل ــ الهند ــ  الصين ــ اليونان ــ بشار ــ حفتر..) يعادي المبادئ والقيم والتوجهات الإسلامي ومصالح المسلمين. هذا النهج من جانب السيسي بالتوقيع على ترسيم الحدود البحرية مع اليونان دون الأخد في الاعتبار طبيعة وأبعاد الأزمة بين أنقرة وأثينا من شانه أن يعقد الأزمة ويربك الحسابات ويجعل وصول  الأطراف إلى اتفاق شامل أمرا بعيد المنال.

وفي هذا التقرير نرصد أهم هذه التحفظات

التحفظ الأول، أن مصر رفضت ترسيم الحدود البحرية مع اليونان في عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، حيث جرى ترسيم الحدود البحرية مع قبرص فقط سنة 2003م، ورغم الإلحاح من جانب اليونان إلا أن طلبها قوبل بالرفض من جانب القاهرة أكثرة من مرة؛ لأسباب: الأول يتعلق بفهم مصر لطبيعة الأزمة بين تركيا واليونان، وإدراك القاهرة أن ترسيم حدودها مع أي من الطرفين يجب أن يكون بعد وصول الطرفين التركي واليوناني لتفاهم حول حدودهما البحرية. والثاني أن اليونان كانت تريد ترسيم الحدود البحرية مع القاهرة وفقا للرؤية اليونانية، وظل الأمر معلقا بسبب إدراك القاهرة أن طريقة ترسيم أثينا للاتفاقية ستكون نتيجتها خسارة مصر جزءاً من المناطق الاقتصادية الخالصة الخاصة بها، وهو ما يعني خسائر احتياطات غاز محتملة في هذه المياه يمكن أن توفر مكاسب اقتصادية هائلة لمصر، بالإضافة إلى مزيد من الأهمية الجيوسياسية في شرق المتوسط.

التحفظ الثاني، أن نظام السيسي الذي أعلن عن التوقيع على الاتفاقية أحجم عن نشر نصها ومضمونها في أي وسيلة إعلامية حتى كتابة هذه السطور وبعد الإعلان بأسبوع كامل، ما يدلل على أن محتوى الاتفاق يضر بالمصالح المصرية ويكشف عن إصرار مدهش من جانب السيسي على التفريط في سيادة مصر على أراضيها ومياهها الإقليمية.  ويبدو أن النظام حريص على التكتم على محتوى الاتفاق لما يتضمنه من كوارث وتنازلات بهدف الكيد والنكاية في تركيا حتى لو على حساب الأمن القومي المصري. وحتى رد خارجية السيسي على البيان التركي جرى حذفه من عدة وسائل إعلام تابعة للنظام بناء على تعليمات من أجهزة سيادية. وحذفت مواقع مصرية حكومية، بينها "بوابة الأهرام"، وأخرى تابعة للمخابرات العامة، بينها (مبتدأ والدستور والوطن)، ردّ الخارجية المصرية بعد وقت قليل من نشره. وهو ما جرى تفسيره على نحو يدعي أن النظام حريص على عدم التصعيد مع تركيا بهذا الشأن.

التحفظ الثالث، أن هناك وثائق جرى تسريبها ونشرها صادرة عن الخارجية المصرية سنة 2017م تكشف  عن رفض الوزارة  للطرح اليوناني لترسيم الحدود؛  لتمسُّكه بمواقف قد تؤدي إلى خسارة مصر مساحات من مياهها الاقتصادية، مع استمرار المفاوضات للتوافق والاستفادة من الموارد. هذه الوثائق تتهم أثينا باللجوء إلى "مغالطات وادعاءات وأساليب ملتوية" في المفاوضات عن تعمُّد "استغلال التوافق السياسي بين البلدين لإحراج فريق التفاوض المصري".

التحفظ الرابع، أن رفض القاهرة للاتفاق التركي الليبي في نوفمبر 2019م استند  إلى مواقف أيديولوجية لا علاقة لها بمصالح مصر، وحتى وزير خارجية السيسي سامح شكري اعترف بأن هذا الاتفاق لا يمس مصالح مصر وحدودها المائية، بل إن اتفاق ترسيم الحدود البحرية التركي الليبي يخدم المصالح المصرية  بشكل مباشر ، لسببين: الأول أنه يعيد لمصر 7000 كم من حدودها البحرية التي تنازلت عنها لحساب اليونان. والثاني أنه يعرقل خط غاز (East Med)  الذي تنوي إسرائيل وقبرص واليونان، باهتمام من الاتحاد الأوروبي، إنشاءه في المياه العميقة للبحر المتوسط والذي سينقل الغاز من إسرائيل وقبرص إلى اليونان ومنه إلى أوروبا، ليصبح أحد البدائل التي تسعى إليها أوروبا؛ في محاولة لتقليل اعتمادها على الغاز الروسي الذي يسيطر على أكثر من ثلث السوق الأوروبية. وإذا دخل هذا الخط حيز التنفيذ فسيعني خسارة مصر دورها المستقبلي كمنصة إقليمية لتصدير الغاز الطبيعي في شرق المتوسط.

التحفظ الخامس، أن تركيا رغم خلافها السياسي والأخلاقي والمبدئي مع حكومة السيسي؛ لأنها جاءت بانقلاب عسكري دموي على مسار ديمقرطي، إلا أن أنقرة أبدت تجاوبا بشأن الاتفاق مع القاهرة بشأن ترسيم الحدود البحرية بما يحقق مصالح البلدين على اعتبار أن التوتر القائم طارئ لاعتبارات أيديولوجية طارئة؛ كما أن المصالح المصرية والتركية متقاربة إلى حد كبير، في حين أن مصالح اليونان وقبرص وإسرائيل تتعارض مع المصالح المصرية الجغرافية والاقتصادية. وسبق أن قال نائب الرئيس التركي، ياسين أقطاي، إن "تركيا ومصر لهما مصالح مشتركة في مياه البحر المتوسط الدولية"، مضيفاً: "لذلك، الأفضلُ أن نغضَّ الطرف عن الخلافات بيننا في هذا الموضوع، فنحن عندما نختلف في قضية ليس من الحكمة أن نكون أعداء في كل القضايا، فعلى سبيل المثال نحن نتفق مع روسيا في أمور ونختلف في مواضيع أخرى".

Facebook Comments