الكاتب الصحفي وائل قنديلالكاتب الصحفي وائل قنديل

“أنا مش سياسي”.. أعلنها عبد الفتاح السيسي بوضوح، وهو يتوعد كل من يفكر في حراك جماهيري للتغيير، ملوحاً بالجيش، في بداية العام الجاري. ولأنه ليس سياسياً، فإنه لا يريد سياسة في مصر، وإنما يريدها عسكريةً من الدماغ إلى الأطراف. وبالتالي تبدأ مرحلة الهيمنة الكاملة للمؤسسة العسكرية على الأحزاب، لتفريغها من السياسة.

الآن، صارت المدنية نقيصة وتهمة، ليصبح بعد وقت قليل وصف الشخص، أو التيار بالمدني، تهمةً قد تعرّض صاحبها للمساءلة، ويفتح الباب واسعاً أمام المرحلة الأخيرة من عملية عسكرة المجال العام، بحيث يكون الحكم عسكرياً خالصاً، ومعارضة الحكم (الشكلية) أيضاً عسكرية حتى النخاع.

وعلى ذلك، لم يكن غريباً أن تكون البداية من حزب الوفد الذي يعرف تاريخياً بأنه وعاء الحركة المدنية، في طورها الليبرالي، الرافض، إلى درجة العداء، دولة الضباط، إن في عصر الملكية، أو في زمن الجمهورية، لنكون بصدد فقرةٍ ساخرةٍ، يقهقه فيها التاريخ عالياً، وهو يتفرّج، باستمتاع، على تسكين الضباط، من مختلف الرتب، في المناصب العليا للحزب، بناء على توجيهات الحاكم العسكري المطلق الذي لاحظ ضعفاً في الحياة الحزبية، فأصدر الإشارة إلى الجيش لكي يتدخل، ويقوّيها ويمتنها، بكلمة واحدة: يعسكرها.

المناخ العام منذ انقلاب الجيش على السلطة المدنية المنتخبة في صيف العام 2013 حمل إلى الساحة عدداً لا نهائي من أحزاب السادة اللواءات، المتقاعدين حديثاً وقديماً، كلها تحمل أسماء أقرب للعسكرية “حماة الوطن” و”فرسان الوطن”، وكلها يترأسها جنرالاتٌ من رتبة الفريق، نزولاً إلى الأسفل، حتى أن الأخبار المنشورة عن تأسيس بعض هذه الأحزاب لم تكن مضطرة للاختباء خلف عبارات سياسية، إذ تقرأ، على سبيل المثال، خبراً في صحف الانقلاب يقول “تقدم العسكريون القدماء بأوراق حزبهم الجديد إلى لجنة شؤون الأحزاب، تحت عنوان “فرسان مصر”. وقال وكيل المؤسسين اللواء فلان وأضاف نائبه اللواء الفلاني وأوضح الأمين العام اللواء علان.

تقرأ، مثلا، أن عضو اللجنة العليا لحزب “حماة مصر” وأحد مؤسسيه، اللواء محمد الغباشي، أكد أن الحزب، برئاسة الفريق جلال هريدي، وأمينه العام اللواء أسامة أبو المجد، ليس للضباط المتقاعدين فقط، رافضا ما يزعم بعضهم إن توجهات الحزب عسكرية.

كان هناك أيضاً حزب للفريق سامي عنان، رئيس الأركان السابق، مصر العروبة، وسبقه حزب برئاسة الفريق أحمد شفيق، الحركة الوطنية، وإذا كان الأول في الحبس، والثاني في منزله، لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم، إلا أنه في لحظةٍ ما، مع مهزلة ما سميت انتخابات رئاسية، كانت هناك مهزلة أخرى تتمثل في شكلٍ من أشكال التعلق الطفولي، من بعض من يعتبرون أنفسهم معارضة سياسية مدنية، بالجنرالين العسكريين، سبيلاً وحيداً للتخلص من حكم جنرالات الانقلاب، وكأنهم يقدّمون إقراراً ضمنياً بموت السياسة، بوصفها نشاطاً مدنياً بالأساس، في مصر.

وعلى الناحية الأخرى، تتجاوز المسألة كونها رغبةً جامحةً من الحزب الأم (حزب الجيش) الذي اختطف السياسة والاقتصاد والإعلام والفنون والثقافة، إلى استمتاع وتلذذ بالتنكيل بإهانة فكرة الدولة المدنية، واعتبارها مرادفاً للضعف وانعدام الوطنية والانتماء، فضلاً عن أن هذا الاندفاع الجامح نحو عسكرة الأحزاب من بابها يؤكّد فكرة أن الحكم العسكري لا يثق بأحدٍ من المدنيين، حتى وإن كان مطيعاً وطيعاً، وأليفاً.

وكما صارت “الهيئة الهندسية العسكرية” المتحكّم الأوحد في الاقتصاد، جاء دور هيئة سياسية أخرى، تتخطى، في نطاق هيمنتها المطلقة، ما كانت تقوم به أمانة سياسات جمال مبارك، لكي تضع الباشوات الجدد (العسكريين) في كابينة قيادة حزب باشوات الزمن الماضي (الوفد)، ليضحك التاريخ حتى يسقط مغشياً عليه، وهو يتابع دراما مثيرة عنوانها “احتلال الأحزاب بدلاً من حلها”.

هنا تحضرني كلماتٌ للزميل عبد الحليم قنديل، أطلقها كأنها رصاصاتٍ، في يناير/ كانون ثاني 2012 على شاشة قناة الجزيرة، معلناً “المجلس العسكري هو جزء لا يتجزأ من إدارة الرئيس مبارك، ودوافعه لكراهة الثورة إلى حد التحول إلى قيادة فعلية لثورة المضادة، وقيادة ميدانية لما يسمّونه في مصر بالفلول التي صارت أصولا دوافعه واضحة جداً، هي ذات الدوافع التي تتعلق بعائلة نمت حولها دائرة من ناهبي المال العام أو مليارديرات المال العام. بوضوح أكثر أقول إن ما جرى على الطبقات العليا من الجيش المصري، منذ معاهدة السلام الإسرائيلية المصرية، ثم المعونة الأميركية الضامنة لها، انتهى إلى بزنسة طموح الجنرالات، بمعنى أن جنرال الجيش المصري بدلاً من أن يتطلع إلى أن يكون قائداً سياسياً على طريقة جمال عبد الناصر أو قائداً عسكرياً على طريقة سعد الشاذلي، صار يتطلع إلى أن يكون أحمد عز! وفي المجلس العسكري الحالي على الأقل عشرة أحمد عز، ثروة الواحد منهم تناهز ثروة أحمد عز “.

انتهى الاقتباس، وبقي سؤال: كم من الجنرالات العشرة على رأس السلطة الآن، وكم سيقودون المعارضة، كما تريد أن تهندسها السلطة؟

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم