الشعب الجزائري الذي يخرج اليوم، في جمعة جديدة، طلبًا للتغيير الديمقراطي الشامل، إنما يحمل أحلام وهموم كل العرب الذين ينشدون حكمًا ديمقراطيًا وديمقراطية حاكمة.

يخرج الجزائريون مدعومين بخلاصة تسع سنوات من التجارب الفاشلة والمتعثرة لشعوب الموجة الأولى من الربيع العربي، بها كل المطلوب من الدروس والعبر، الكافية لاستخراج حالة نجاحٍ من تحت ركام حالات عديدة من الإحباط والفشل.

وبما أن الحالة المصرية تمثل النموذج الصارخ للضياع الثوري، والسقوط المروّع من قمة الأمل إلى قاع الأمل، فإنه من المهم التوقف عندها بالتحليل والاعتبار، والدراسة المستفيضة لعناصر الفشل، الداخلية والخارجية.

داخليًا، لم يعد يخفى على أحد سيناريو تحويل ثورة المطالب الكاملة إلى ما يشبه الانقلاب الناعم، وفي رواية أخرى الانقلاب الأبيض، من خلال إنهاك الجماهير واستدراج النخب إلى عمليةٍ عبثيةٍ لا تتعدّى طلاء واجهة النظام القديم بألوانٍ جديدة، لإيهام الشعب بأن التغيير قد وقع.

غير أن أهم ما يجب الانتباه إليه هو دور العنصر الخارجي في اقتناص الثورات، وتحويلها إلى انقلابات ، محمولة فوق ثورات مضادّة، بات مستقرًا في وعي كل عربي، أين وكيف تتم صناعتها، ثم إغراق البلاد بها. وفي ذلك كله، فتش عن الإمارات التي باتت تمتلك “منطقة سياسة حرّة” تصنع انقلابات وثورات مضادة، تحت إشراف أميركي صهيوني في أبو ظبي فرضت منتجاتها في مصر وليبيا واليمن، وحاولت مع تونس، وتطل برأسها الآن في الحالة الجزائرية.

وفي هذا الإطار، يأتي التقرير الرسمي الصادر من مكتب النائب العام (سرّي للغاية ويفرم عقب قراءته)، والذي عرض أول من أمس في محاكمة الرئيس  محمد مرسي، في قضية “إقتحام السجون”.. ويكشف تفاصيل الدور الإماراتي  في تمويل عصاباتٍ للتخريب داخل مصر لإسقاط الرئيس مرسي..  وعلاقتها بجبهة الإنقاذ، وأحد مساعدي وزير الداخلية.

والقيمة الفعلية لهذا التقرير أنه يقدّم التأكيد الرسمي، بالوقائع والأسماء، لما عايشناه ولمسناه في عديد التحركات والتصريحات السياسية، بعد أيام قلائل من انتخاب الرئيس محمد مرسي، وشعور جماهير الثورة المصرية بأن المهمة أنجزت، والحلم بات قوسين أو أدنى من التحقق.

وتنبئنا الذاكرة الجريحة بأن الرئيس المنتخب وصل إلى قصر الحكم في بداية يوليو/ تموز 2012، ومع وصوله اشتغلت آلة الحرب الإماراتية، من خلال الجنرال أحمد شفيق الذي استدعته أبو ظبي، فور إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية، لقود الثورة المضادة من هناك.

لم يفاجئني ما ورد في هذا التقرير السري، إذ سجلت، في بدايات التحرك للتظاهر عند قصر الاتحادية، لإسقاط الرئيس المنتخب، وتحديدا في 12 نوفمير/ تشرين ثاني 2012، وتحت عنوان” من هو رئيس مصر 2013″، أننا نعيش الآن مرحلة زرع الألغام وتفخيخ الأرض، تمهيدا لانفجار كبير، تتم عملية صناعته هذه الأيام، خارج مصر وداخلها،  بحيث لا تأتى الذكرى الثالثة لثورة 25 يناير، إلا وقد انهدم كل شيء، لتعود الغربان تنعق فى طول البلاد وعرضها، وتحتفل بالانتصار.

 وحسب رواياتٍ متعددةٍ قادمةٍ من خارج مصر، فإن خصوم الثورة يحتشدون الآن، ويضخون أموالا بلا طائل، لتصنيع حالة من الخراب والانفلات والفوضى فى الداخل”.

فيما بعد، وفي القمة العربية التي انعقدت في الدوحة، مارس/ آذار 2013، كانت الإمارات قد نجحت في ضم الرياض لمشروع إسقاط نظام محمد مرسي. وقد انعكس ذلك على مناخ القاعة في شيراتون الدوحة، حين تحدّث مرسي محذّراً ما أسماها “الأصابع الصغيرة، الممدودة للعبث بمصر”. وفي تلك اللحظة قرأت قرار التعجيل بالمؤامرة، مطبوعاً على الوجوه الصفراء، داخل القاعة، فامتقعت، بانفعالٍ لاحظه الجميع، ثم غادرت الجلسة.

وعلى أثر ذلك، نشطت الاتصالات بين جنرال الثورة المضادة في الإمارات وبارونات “الإنقاذ” في الداخل. وما كان سرًا أخرجه الجنرال أحمد شفيق، فى حواره التليفزيونى  مع الإعلامي مصطفى بكري، إلى العلن، وهو يصب غضبه على جبهة الإنقاذ، لإعلانها أنها ترفض التعاون معه، بينما هى فى الخفاء تسعى إليه، وتطلب مساعدته، والتنسيق معه للانتخابات، ثم ذكر بالاسم المخرج خالد يوسف عضو التيار الشعبى وجبهة الإنقاذ “بعتولى السنة اللي فاتت اللي اسمه خالد يوسف ده دبي علشان يشرح لى طلبهم إننا نتعاون مع بعض”.

وعند هذه النقطة، قرّر عبد الفتاح السيسي أن يختطف شعلة الثورة المضادة، من الجنرال شفيق، ويختطف “جبهة الإنقاذ”، ويستعملها في إتمام إجراءات الانقلاب على الرئيس الذي اختاره، بغرابة شديدة، وزيرا للدفاع.

هنا، بدأ تشغيل ورشة الانقلاب بالطاقة القصوى، فزادت معدلات التدفق على الإمارات، واشتعل وكلاء محمد دحلان وضاحي خلفان في القاهرة بالنشاط، ودارت عملية خنق مصر، اقتصادياً واجتماعياً وأمنياً، فيما نشطت الأيقونات الثورية، المنتحرة، خارجياً، لحشد المجتمع الدولي خلف الرغبة الأماراتية المحمومة في إسقاط مرسي، وقتل مشروع التغيير في مصر.

هذا ما جرى في مصر، ونتمنّى ألا يتكرّر في الجزائر.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

Facebook Comments