أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن بلاده لن تسحب سفن التنقيب من شرق البحر المتوسط، وأن الاتفاق المبرم مع ليبيا سيطبق بجميع بنوده، في موقف واجه رفضا وتنديدا من قبل بعض الدول، بينها اليونان ومصر؛ التي اعتبرت تلك الاتفاقية معدومة الأثر القانوني وغير ملزمة.

ما الخلفيات الحقيقية للموقف المصري الرافض بشدة ما أعلنه الرئيس التركي من تمسك بلاده بالتنقيب شرقي المتوسط وبالاتفاقية المبرمة مع ليبيا؟، وما هي التداعيات المحتملة لمضي تركيا في ذلك الاتجاه وسط المواقف الرافضة لموقفها الصادر عن دول تتقدمها مصر؟

أبعاد أخرى

أبعد من مجرد مذكرتي تفاهم بما اشتملتا عليه من مسارين اقتصادي وأمني، ذلك ما تقوله بعض ردود الفعل الصادرة بشأن تفاهمات توصلت إليها تركيا مع ليبيا، تؤسس لعملية تنقيب تركية شرقي المتوسط ولتعاون أمني وعسكري بين الجانبين.

تفاهمات أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أنها ماضية قدما نحو التطبيق غير عابئة بالرافضين لها، في رسالة لمواقف منددة بها، صدرت عن اليونان وقبرص، وخاصة عن حكومة الانقلاب التي اعتبرت تلك الاتفاقيات معدومة الأثر القانوني وغير ملزمة لأي طرف ضمن رؤية يرى منتقدوها أنها تعكس مفارقات في سياسات حكام القاهرة الذي تنازلوا لإسرائيل عن حقوق وثروات مائية ليتشددوا في المقابل تجاه تركيا.

توتر في شرق المتوسط

ألسنة التوتر تتصاعد مجددًا في شرق المتوسط، وتتداخل خيوط الأمن مع صراع الثروات التي يرقد عليها البحر الأبيض، في الواجهة هذه المرة اتفاق بين تركيا وحكومة الوفاق الليبية وقعه الجانبان قبل أيام وخلف ردود فعل غاضبة ومترقبة في أكثر من اتجاه.

للاتفاق شِق أمني عسكري، تتعزز به المساندة التركية المعلنة للحكومة الليبية الشرعية المعترف بها دوليا في مواجهة اللواء المتقاعد خليفة حفتر وداعميه الإقليميين والدوليين، ويرد مراقبون كثر إلى هذه المساندة التركية الفضل في كبح جماح حملة حفتر على العاصمة طرابلس، وبالتالي تقويض مساعي حلفاء حفتر الإقليميين المتواصلة لسنوات.

من هذا يُفهم الغضب المصري من الاتفاق التركي الليبي الذي وصفته سلطات الانقلاب بغير الشرعي والمخترق لاتفاق الصخيرات من جهة صلاحيات حكومة الوفاق، بينما يرد منتقدو القاهرة بالقول: إن الموقف المصري نظريًا وعمليًا لا يعترف بشرعية حكومة الوفاق، ومن ثم يصطدم أيضًا بالاتفاق المذكور.

سبب انزعاج السيسي

تنزعج القاهرة كثيرًا – وفق متابعين – من أي وجود عسكري تركي على حدودها الغربية، وينزعج من ورائها حلفاء ظاهرون ومستترون؛ فكثير من القوى تبحث لها عن موطئ قدم في الساحة الليبية، ومن هؤلاء موسكو؛ التي يتصاعد الحديث عن دعمها لحفتر، ومن هنا يتحدث البعض عن ضوء أخضر أمريكي لتركيا بتوقيع الاتفاق مع حكومة الوفاق؛ تحجيمًا للأحلام الروسية بشأن مياه المتوسط الدافئة.

لكن هذه المياه الدافئة من جهة أخرى ترقد على احتياطات هائلة من الغاز الطبيعي، وتشهد سباقًا محمومًا واتفاقات بين دول الحوض على نصيب كل من الكعكة التي توقع خبراء أن تغير وجه المنطقة اقتصاديًا.

منذ عام 2014 تموضعت مصر بعد انقلاب السيسي بجانب كل من قبرص واليونان بشأن ترسيم الحدود المائية، ووقع آنذاك اتفاق أثار انتقادات كثيرة في مصر، واتهم نظام السيسي بمحاباة قبرص واليونان؛ بما يعارض المصالح المصرية لمجرد مكايدة تركيا.

وانتقدت تركيا الاتفاقيات التي استبعدتها رغم أنها تمتلك شواطئ طويلة على المتوسط، وبدأت لاحقًا تلوح ثم تنخرط فعليًا منذ أواخر العام الماضي في التنقيب عن الغاز قرب شواطئ قبرص التركية بحماية عسكرية ظاهرة، غير عابئة بالانتقادات الكثيرة والمطالبات بالتوقف عن التنقيب.

إصرار تركي

نقطة الضعف في الموقف التركي أن أنقرة هي فقط هي من يعترف بالشق التركي من قبرص، لكن يبدو الإصرار على المضيّ قدمًا في التنقيب ظاهرًا في تصريحات الرئيس التركي ردًّا على منتقدي الاتفاق الأخير وعلى التحرك التركي في مياه المتوسط.

لا يبدو في المقابل خصوم أنقرة في وارد السكوت على ما وقع؛ فالخارجية اليونانية استدعت السفير الليبي، وهددته بالطرد إن لم يطلعها على تفاصيل الاتفاق، كما يطير وزير الخارجية اليوناني إلى القاهرة تزامنًا مع تلك التطورات، ولا يُعرف هل يتصاعد التوتر هذه المرة أم تمرُّ الأزمة كما مرت احتقانات سابقة بشأن ثروات شرق المتوسط، لكن المرجح – وفق مراقبين مصريين – أن التوتر المصري التركي بهذا الصدد يصبُّ في مصلحة إسرائيل أكثر من أي طرف آخر، وهي التي باتت الرابح الأكبر من دخول المناكفات السياسية على خط تقاسم ثروات المتوسط الهائلة.

https://www.youtube.com/watch?v=e6bGcYHSUnE

Facebook Comments