في الوقت الذي تتخوف مصر من تصاعد الغضب الأمريكي إزاء سير مصر في صفقة الطائرات السوخوي 35 الروسية، بعد تصريحات حادة للإدارة الأمريكية بفرض عقوبات على مصر، يذهب كثير من المحللين إلى أن موقف ترامب وإدارته المعلن من الصفقة، قد يجري التغاضي عنه مقابل تقديم نظام السيسي تسهيلات أكثر لأمريكا في المنطقة أو اصطفاف إلى جانب مشروعاتها الصهيوأمريكية بالمنطقة العربية، وفي مقدمتها صفقة القرن التي يبدو أنها في مراحل متقدمة، عقب القرار الأمريكي الأخير، باعتبار المستوطنات الصهيونية غير مخالفة للقانون.

ويسود ارتباك سياسي أروقة نظام الانقلاب على وقع التصريح الأمريكي بفرض عقوبات على مصر، بسبب أنباء عن قرب الانتهاء من إتمام صفقة شراء القاهرة لطائرات روسية من طراز “سوخوي 35″، على الرغم من التحذيرات الأمريكية في هذا الشأن.

وفي ظل تلك المخاوف، يراهن البعض داخل دائرة السيسي، على إمكانية تجاوز الأزمة، بتغاضي الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تدخّل خشن يلجم الإدارة المصرية عن المضي قدما في إتمام الصفقة، وذلك عن طريق الاكتفاء بحد أدنى من العقوبات، أو الحصول على امتيازات جديدة من السيسي في عدد من ملفات التسليح، وقضايا سياسية أخرى تتعلق بموقف أكثر وضوحاً، وتماهياً مع سياسة ترامب تجاه إيران، وكذلك استعادة الحماسة المصرية في ما يسمى “صفقة القرن” (الخطة الأمريكية لتصفية القضية الفلسطينية) والموقف الأمريكي الخاص بإعلان “شرعية” المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية.

وكشفت مصادر سياسية عن أن هذه الدائرة لديها تصور ما، بأن الغضب الأمريكي ربما ينحصر في الأساس في دوائر وزارة الدفاع الأميركية، مضيفة أن البنتاجون ربما هو الذي يتعمّد الضغط على مصر، وفي التوقيت نفسه إحراج ترامب، بتعمّد تسريب ذلك إلى الإعلام الأمريكي لاعتبارات تتعلق بحساسية ملف صفقات الأسلحة له.

تشدد أمريكي 

على الجانب الآخر، فإن دوائر استخباراتية حذرت من أن خروج الانتقادات الأميركية إلى العلن عبر وسائل الإعلام، أدى بالفعل إلى الضغط على الإدارة الأمريكية، ودفعها إلى اتخاذ موقف أكثر تشدداً مع الإدارة المصرية، مشيرة إلى أن الإشارات والتنبيهات والرسائل التي كانت توجّهها الولايات المتحدة، عبر رسائل دبلوماسية، وبطريقة هادئة، كانت تبدو أقرب للنصيحة، وربما تم تفسيرها بطريقة خاطئة من الإدارة المصرية، مما ينذر بأن الأزمة الحالية قد لا تكون مثل سابقاتها من أزمات مرت على العلاقة الاستراتيجية بين النظامين الأمريكي والمصري، والتي اكتسبت صلابة منذ وصول ترامب إلى الحكم.

وكانت مصر قد تلقت تحذيراً أمريكيا من إتمام صفقة شراء طائرات “سوخوي 35” من روسيا. وكانت الإدارة الأميركية أبلغت مصر أنها لن تتهاون في هذه المسألة، وأشارت إلى أنها تغاضت في السابق عن واقعة محاولة مصر الحصول على أسلحة من كوريا الشمالية التي تعتبر الولايات المتحدة أنها تشكل خطراً عليها.

وكانت وكالات استخبارات أمريكية، قد كشفت عن تهريب شحنة أسلحة من كوريا الشمالية إلى مصر في تحدٍ للعقوبات الدولية، كان قد تم العثور عليها مخبأة بداخل حاوية كورية شمالية في 2016. وكشفت صحيفة “واشنطن بوست” الشهر الماضي عن وثائق جديدة تكشف أيضاً ما يبدو أنه اعتراف واضح بدور الجيش في اقتناء 30 ألف قذيفة صاروخية من كوريا الشمالية كانت في حاوية على سفينة متجهة إلى ميناء في قناة السويس لحظة الكشف عن محتواها، والتي اعتبرها تقرير للأمم المتحدة “أكبر عملية حجز ذخيرة في تاريخ العقوبات” ضد بيونج يانج”.

وهددت الإدارة الأمريكية مصر بتعليق جزء من المعونات التي تتلقاها القاهرة من واشنطن والتي تحصل عليها الأولى بموجب المذكرة التي تم توقيعها بين البلدين عام 1980، والتي بموجبها تتلقى مصر المعونة العسكرية والاقتصادية طالما حافظت واستمرت في تنفيذ بنود معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية الموقّعة في مارس 1979. وخلال العقود الأخيرة، قدّمت الولايات المتحدة لمصر ما قيمته مليارات الدولارات من المساعدات العسكرية والاقتصادية، بما في ذلك إمدادها بمقاتلات “إف 16″، والمروحيات الهجومية، وتجهيزات عسكرية أخرى.

وفي السياق ذاته، هددت أمريكا مصر أيضاً بتطبيق قانون “مكافحة خصوم أمريكا من خلال العقوبات” والذي استخدمته لفرض عقوبات على تركيا بسبب شراء منظومة صواريخ الدفاع الجوي الروسية “إس 400”.

وأضاف مساعد وزير الخارجية للشؤون السياسية والعسكرية، آر. كلارك كوبر، أن مصر على دراية بتلك المخاطر. وكانت صحيفة “كوميرسانت” الروسية، قد كشفت في وقت سابق، عن صفقة أسلحة جديدة بين موسكو والقاهرة، لكن لم تُؤكد رسمياً، تقوم بموجبها روسيا بتزويد مصر بعشرات المقاتلات الثقيلة متعددة الأغراض من طراز “سوخوي 35”. وأوضحت الصحيفة، أنّ العقد الذي يقضي بتوريد أكثر من 20 مقاتلة وعتاد عسكري بقيمة حوالي ملياري دولار، دخل حيز التنفيذ في نهاية عام 2018، على أن تبدأ الإمدادات في عام 2020 أو 2021، لتكون من أضخم صفقات التسليح التي يجريها السيسي. وترفض الولايات المتحدة من حيث المبدأ، شراء دول كمصر وتركيا والهند، أسلحة روسية، وتحديداً طائرات “سوخوي 35”.

لماذا اعترضت أمريكا؟

الاعتراضات الأمريكية ليست فقط بشأن التنافس مع روسيا في مجال التسليح، ولكن أيضاً بشأن “مدى ملاءمة مدّ يد العون لدولة تشتري أسلحة من منافس الولايات المتحدة، بأسعار تزيد بكثير على الأسعار التفضيلية التي كانت تحصل مصر بها على الأسلحة من واشنطن”.

إلى جانب قضية توغّل الجيش الواسع في الحياة الاقتصادية، تعرّض إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لضغوط متزايدة داخل الكونجرس، بسبب استمرار المعونة العسكرية للجديش المصري في ظل توسعه في الانشطة الاقتصادية وتحقيقه أرباحا كبيرة تؤهله للاستحواذ على نحو 60% من الاقتصاد المصري، بما يجعله من غير المناسب حاجته للمعونة الامريكية، كما ان الولايات المتحدة الأمريكية تحظر على أي دولة عربية اقتناء أسلحة من شأنها تغيير موازين القوى في المنطقة؛ حيث تحرص واشنطن على أن تبقى “إسرائيل” متفوقة باستمرار على جميع الدول العربية.

كما تخشى امريكا من قدرة نظام السيسي المدعوم من الجيش على الاستمرار في الحكم، ويكشف عن مخاوف أمريكية من احتمال اندلاع  ثورة شعبية تطيح بالسيسي ونظامه؛  وبناء على ذلك فإن أمريكا تخشى من وصول هذه الأسلحة الهجومية المتطورة لنظام ثوري بعد السيسي لا يكون على نفس الخط من الإذعان والانصياع لواشنطن وتل أبيب والغرب. كما يتجلى الموقف الأمريكي من صفقة السوخوي في استمرار حشر الجيش المصري في عقيدة عسكرية داخلية تتركز على مكافحة الارهاب، جون التمدد خارج مصر حتى لو كانت التهديدات حالة بالامن القومي المصري.

Facebook Comments