لماذا ينتحر المصريون؟ قد يشغل بالك خلال هذه الأيام الأحاديث الكثيرة والهمهمات التى تدور حول دوافع الشباب فى مصر إلى الانتحار، خاصةً بعد مقطع الفيديو المتداول لانتحار طالب الهندسة من أعلى برج القاهرة، والذى سبقه بيومين انتحار شاب عشريني بمدينة المحلة الكبرى شنقًا بواسطة حبل، كما سبقه بأسبوع انتحار طالب بمدينة قوص جنوب قنا شنقا أيضًا، بالإضافة إلى حالات كثيرة من الانتحار تحت عجلات مترو الأنفاق أو بمياه النيل، وترجع تقارير النيابة معظمها إلى المرور بأزمة نفسية.

لماذا ينتحر المصري؟

الظروف الاقتصادية والفقر والتنمر وغياب التدين من بين عدة أسباب تدفع المواطن للانتحار، خاصةً فى ظل عدم توافر مناخ كاف لتفجير طاقته بها.

وصنَّف تقرير لمنظمة الصحة العالمية مصر كأكبر دولة عربية شهدت حالات انتحار، متقدمة على دول بها صراعات وحروب مسلحة، وقُدرت بـ3799 حالة، فى حين كشفت التنسيقية المصرية للحقوق والحريات عن أن عدد المنتحرين في النصف الأول من عام 2018 بلغ 150 شابًا أغلبهم بين 20 و35 عامًا.

من بين أسباب الانتحار كما يكشفها أحمد لطفى، الناقد الرياضى بموقع كورة، أن الشباب ممنوعون من الذهاب للمباريات لتفجير طاقاتهم، لهذا يحاولون بشتى الطرق البحث عن وسائل أخرى، وإذا لم يجدوا فالحل الأسهل و”المجانى” هو الانتحار. مردفا: فلا حاجة للعيش فى الوطن طالما هناك عدم اهتمام أو ولاء!.

فى حين يرجع أستاذ علم النفس، أحمد حافظ، تعدد حالات انتحار الشباب بشكل خاص إلى انعدام الأمل وضبابية الرؤية للمستقبل، فيدخل الشاب فيما يطلق عليه الاكتئاب الانتحاري، وكذلك يكون للانتحار أسباب تتعلق بصدمات عاطفية أو خلافات أسرية.

وقد يكون لدى بعض الشباب- حسب كلام حافظ- قدرات ومواهب خاصة لم يستطيعوا التعبير عنها أو الإعلان عنها وسط مجتمعهم، سواء الأسري أو الجامعي، فيفجرون تلك القدرات بتمردهم على حياتهم ذاتها.

لذا نجد أن حالات كثيرة من الانتحار تأخذ شكل الإعلان أو الإشهار، مثل القفز تحت عجلات مترو الأنفاق أو من أعلى برج القاهرة، وهو يعي تمامًا أن قصته ستنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، وكأنه يحمِّل المجتمع أو السلطة- أي سلطة- مسئولية قراره بالتخلص من حياته، على حد قول حافظ.

تضييق الخناق

جانب آخر من جوانب زيادة جرائم الانتحار وقضية حقوق الإنسان، حيث نجد أن الدول الأكثر انتهاكًا لحريات الإنسان هي الأكثر في معدلات الانتحار، وهو ما كشفته المذكرة الأساسية لبرنامج الحد من الانتحار، الذي أطلقته منظمة الصحة العالمية في 2014، والتي أشارت إلى أن 75% من حالات الانتحار تقع في الدولة الفقيرة والمتوسطة الدخل، وذلك على عكس ما كان يعتقد الكثيرون.

المذكرة أشارت، وفقًا لتقارير المنظمات الحقوقية، إلى أن الدول التي يتراجع ترتيبها على قائمة مؤشرات الحريات واحترام حقوق الإنسان، هي نفسها الدول التي تحتل موقعًا متقدمًا في قائمة أعلى معدلات الانتحار. ففي 2012 احتلت روسيا المركز الرابع عشر على مستوى العالم في الدول الأعلى في معدلات الانتحار، وسجلت الدولة هناك 29 ألفا و735 حالة انتحار ناجحة، وبلغ المعدل 23.2% أقدموا على الانتحار من بين كل 100 ألف مواطن، في حين تسجل الصين بين 250 ألفا إلى 300 ألف حالة انتحار سنويًا، بينما تتصدر دول مثل مصر وغينيا والسودان وزيمبابوي وبيلاروسيا والمجر وأوغندا قائمة الدول الأعلى في معدلات الانتحار، وجميعها تحتل مراكز متراجعة على مؤشر الشفافية الدولية، وهي دول تتلقى انتقادات واسعة لملفاتها في مجال حقوق الإنسان ومحاربة الفساد.

البعد عن الدين

بدورها تعزو أستاذة علم الاجتماع، إنشاد عز الدين، تزايد حالات الانتحار في السنوات الأخيرة إلى الإحباط الشديد الذي يمكن أن يسيطر على البعض لأسباب اقتصادية أو اجتماعية أو نفسية، بالإضافة إلى حالة الخواء الثقافي والديني لدى الكثيرين.

وأشارت عز الدين- في حديثها- إلى تراجع رؤية الانتحار من منظور ديني لدى كثير ممن يمارسون الانتحار أو حتى من يتابعون هذه الحالات، حيث أصبحنا نجد تعاطفا شديدا مع المنتحر على مواقع التواصل الاجتماعي وإلقاء كل اللوم على المجتمع والسلطة السياسية، وذلك يسهم بشكل أو بآخر في دعم المنتحر باتخاذ قراره.

وشددت أستاذة علم الاجتماع على ضرورة تحرك الدولة بشكل مؤسسي ومجتمعي حقيقي-بعيدا عن المبادرات النظرية- لدعم الشباب بنزع نظرة اليأس وفقدان أي أمل بالمستقبل، مطالبة الأسر بضرورة التقرب من أي فرد بها تلاحظ عليه بوادر إحباط أو انعزال عن المجتمع.

الاضطراب النفسي

كما تباينت تفسيرات وتأويلات خبراء علم النفس والاجتماع حول أسباب تزايد جرائم الانتحار في مصر، حيث أرجع الدكتور أحمد فوزي، استشاري علم النفس بجامعة عين شمس، ظاهرة الانتحار إلى الاضطراب النفسي، الذي يأخذ صورًا متعددة أبرزها اضطراب الشخصية، الذي يصبح فيه المريض أكثر اندفاعية، وغير قادر على المعيشة، ويكره الحياة بصورة كبيرة، فحين يفقد قدرته على جذب أنظار المحيطين به يلجأ إلى الانتحار فورًا.

فوزي أشار، في تصريحات له، إلى أن ما يقرب من 34% من المصريين يعانون من الاضطراب النفسي، 15% منهم يخططون للانتحار، موضحا أن الاكتئاب أحد أسباب تلك الظاهرة، معددًا مسببات الانتحار الأخرى في بعض المسائل، منها سقوط الرمز الديني، وعدم وجود جهات خاصة بالنشر الصحيح للدين، بالإضافة إلى ما تعرض له المصريون من انتكاسة عقب فشل تحقيق الثورة أهدافها، إضافة إلى انتشار تعاطي المواد المخدرة وزيادة معدلات البطالة، وغياب العدالة الاجتماعية، وما إلى غير ذلك.

Facebook Comments