أنا المصرىُّ الأصيل، ابن النيل، طويل النجاد، رفيع العماد، كثير الرماد، سليل الحضارة، حفيد الأماجد، وريث الرسالة. ولدتُ على أرض المحروسة، وشببتُ فى طرقاتها، واصطبغت بعراقة ونفاسة أهلها؛ فما سبقنى أحدٌ فى نقاء الطبع، ولم يُر مثلى فى المروءة والنُبل. 
ظللتُ هكذا حتى أتى العسكر بليل؛ فأفسدوا كل شىء، ومنعوا كل خير، وخببوا الناس على طباعهم، وساوموهم على دينهم، ومن ناقشهم صبُّوا عليه العذاب، حتى فشا الظلم، وعمَّ القهر، وتحزَّب الناس فرُؤى الولد يعادى والده، والأخ أخاه وحتى انتشرت الخيانة، وضاعت الأمانة، وقلَّ الخير، وشح البر فكأننا فى دولة ليس لأهلها دين، نشاز فى كل شىء، أو كأننا فى حوزة عصابة قلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة.. 

أنا المصرىُّ المجيد، نشأت طفلاً بريئًا لا يستطيع التمييز؛ فكانوا يدرسوننا أننا أهل حضارة، بناة الأهرام، أرضنا أرض النبوات، ساحة البطولات، فكنا فخورين بذلك، نردد ما يدرسونه لنا. وكانوا يدرسوننا كذلك أن «الضباط الأحرار!» أنقذونا من نير الاستعمار ومن جور الإقطاع، وكنا كذلك نردد ما يقولونه لنا غير مدققين ولا مراجعين؛ لظننا أنهم القدوات، من لا ينطقون عن الهوى وحظ الذات.

وقد اجتهدتُ فى دراستى، وسعيتُ مسعى آبائى الكادحين، فلم أنحرف عن طريقتهم  قيد ذراع، حتى بلغت مبلغ الرجال؛  فداعبنى التفلسف والتفكير كما يداعب أبناء تلك المرحلة، أولئك الصغار الكبار، وقد أوحى إلىّ من بين ما أوحى بانفصام الصورة، واهتزاز الرواية، وقلق الحقيقة.. فـ«الأبطال» مزيفون، والقدوات كاذبون، والواقع حنظلٌ مر، وما يدعونه «مصلحة البلد» هو فى الحقيقة صنم يبتزون به الخلق، ويجنون من ورائه الثروات.

إذًا انكشفت العصابة  بعد ما شببنا عن الطوق، بعد سنى الطفولة البريئة، وبعدما تخلصنا من تلك القيود التى كبلونا بها؛ والتى ما فتئت تلك العصابة ترددها وتهدد بها. وكلما تقدم بك العمر زادت معاناتك؛ حيث ترى الصورة بكاملها. الآن تخرجت من الجامعة فائقًا كما فعلتها فى مراحل دراستك الثلاث، لكن لا فرصة عمل أمامك رغم هذا التفوق، لقد حصل عليها «ابن الباشا» زميلك الغبى. إذًا لن تستطيع الزواج؛ لأنك لا تعمل، ولأن أباك المقهور لم يوفر لك ما تتزوج به مثلما فعل «ابن الحرامى» الذى سرق أرض الدولة، أو اختلس مالها، أو تاجر فى الممنوع تحت عين السلطة. لكن يبقى عندك شعاع أمل أو طاقة نور، هى ما تدفعك للبحث والكدّ وحفر الصخر؛ ورغم ذلك فإن الطريق شائك، والسائر فيه مغامر، ولن تسلم أبدًا من ذئابه وأفاعيه.. 

فماذا بعد أن عملت، وتزوجت وأنجبت.. يا الله! لقد عزَّت الراحة، واستفحل الشقاء، ولم يعد فى قوس الصبر منزع. لم كل هذا؟ ومن تسبب فى هذا البلاء وتلك الطبقية المقيتة؟ بؤس هنا وسفه هناك، فقر هنا وإسراف هناك، ولم هذا التخلف وبلدنا يستحق مكانة الأمم الرفيعة؟ ثم لِمَ هذا الاستبداد والظلم والوقاحة؟ من السبب فى كل هذا؟ 

من ذا الذى ضيَّع عمرى خلف البحث عن حياة إنسانية كريمة فلا أجدها؟ من يمنع عنى كرامتى وحريتى؟ من تسبب فى جهل وفقر ومرض الملايين من أبناء أمتى؟ من جعلنى (أدور فى الساقية) مثل أبى؟ إنهم هم، تلك العصابة الملعونة التى توارثت الحكم، وقسَّمت الثروات والعطايا فيما بينهم وعلى أبنائهم وأحفادهم وقراباتهم، هم من يحرصون على إبقائنا فى هذا الوضع المزرى من الخوف والجهل والتخلف؛ كى لا نطالب بحقوقنا؛ وكى لا يفقدوا عروشهم التى بنوها من عرقنا وكدّنا.. 

ضيَّع العسكر عمرى، وقتلوا طموحى واغتالوا أحلامى، لكن -بفضل الله- لم يفقدونى الأمل فى التغيير، وفى إزاحة نظامهم المختل العقيم، أعلم أن لذلك ضريبة تُدفع، وثمنًا غاليًا يُؤَدَّى لمقايضة الحرية، لكنه الواجب الذى أقره الدين، والفريضة التى أمضاها الشرع؛  ولأجل قطع الطريق على قطار الفساد والاستبداد من الوصول إلى محطة أبنائنا وأحفادنا بعد أن دهسنا ودهس آباءنا. 
قد آن لليل أن ينجلى، وللقيد أن ينكسر، وألا يقبل مصرىٌّ بعد اليوم بالفتات (زجاجة زيت وكيلو سكر) وبنو العسكر يرفلون فى النعيم، ويبنون القصور، وتلبس نساؤهم من بيوت الأزياء العالمية على حساب الشعب ومن كدّ أبنائه، وألا يسمح مصرىٌّ بعد اليوم لإعلامى فاسد يردد حديث العسكر الخادع المستخف. آن أوان الحساب والمساءلة، ولا حجة لغاش أو فاسد أو مجرم يلبس ثياب الواعظين.

Facebook Comments